الرئيسية / الأخبار / الطريق إلى فصالة بعيون خالد الفاظل

الطريق إلى فصالة بعيون خالد الفاظل

هنا فصالة!

كانت هذه من أطول الرحلات البرية التي خضت غمارها منذ تأثرت ببطل مسلسل الرحالة الصغير. كانت أطراف الرحلة؛ هي مدينة نواكشوط في أقصى غرب الخريطة المحاذي للمحيط الأطلسي وحقول الغاز ومدينة فصالة في أقصى الجنوب الشرقي المحاذي لأقليم أزواد بؤرة نشاط قوة الساحل ج 5 والمستلقية داخل قدم الخريطة الأيمن على بعد 3 كلم من الحدود مع دولة مالي وذلك على طريق معبد بنسبة 95% تقريبا؛ تكدر صفوه حفر وأشغال صيانة جاءت سنة وانقضت أخرى وأخرى وهي لم تكتمل خاصة في مقطع بتلميت-نواكشوط الذي يشهد أكبر عدد من حوادث السير المميتة كأن الجهات المعنية بترميمه تستمتع كثيرا بسكب الغبار بداخل أجهزة تنفس المسافرين. الرحلة البالغ طولها 1460 كلم؛ لو رسمنا مسارها عموديا من الأرض ناحية السماء لتخطينا المدار الذي تتواجد فيه محطة الفضاء الدولية بمسافة 1070 كلم تقريبا. ما بين نواكشوط وأگجرت شرق لعيون التي مررت بها مرور الغرباء كانت معالم الطريق مألوفة لي مثل كلمات النشيد الوطني المخلوع؛ لذلك استعنت على تكرار ملامحها في الذاكرة بالنوم المتقطع تارة وبقراءة بطيئة لكتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” لمؤلفه علي عزت بيجوفتش تارة أخرى وهو بالمناسبة من أكثر كتب الفكر التي أحسست أنها تركت أثرا عميقا داخل نفسي بعد قراءتها. المشكلة التي أعاني منها في السفر هي نقص الخبرة الاجتماعية في سرعة الاندماج مع الركاب والتعامل مع المطاعم “الشعبية”. بعد مرور 22 ساعة من السفر المتقطع الأوصال ومع وجود جهاز تحكم في السرعة يعيق تجاوزها لعتبة 100 كلم في الساعة حط بنا الباص في تنبدغه قبيل العصر لتناول الغداء، وتنبدغه من المدن التي لا تبوح بأسرار جاذبيتها لغير “الماكثين” فيها كما تجلى لي من ملامحها المحايدة مع أنني وددت إعادة تمثيل أسبوع “أكنكاي” أو أسبوع “أدباي” بأرضها التي حفظ الأدب الشعبي الكثير من أسمائها قبل ظهور گوگل للخرائط. إخترت سيدة تجلس بفناء محلها محاطة بأطفالها والصحون وأفران محشوة بجمر مغطى برماد شفاف زبونة لي بعد الانشقاق عن الركاب طلبا لمكبس شاحن بجدران محلها الذي تفاجأت بانعدام تواجد أسلاك الكهرباء فيه. ما إن أعلنت لها مكونات الوجبة التي أريد حتى جاءني ابنها بصحن من الأرز مغطى بكتف من لحم الغنم كان منقوعا في مرق دافئ كما اتضح من ملمسه الذي لا يؤذي الأصابع كأنها كانت تنتظرني بفارغ الصبر مسك ختام لأرباح القيلولة. رغم سعرها الباهظ إلا أنني شعرت بالبهجة لما أخرج ابنها دفاتره من رف عتيق في محلها استعدادا كما يبدو للمراجعة أو لحصة ما.
يقول أبو نواس:
فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
سائق الحافلة السريع الغضب والكثير التصدق والركاب كانوا يحللون قضايا الوطن الساخنة باحترافية تعجز عتاة المثقفين الذين تغتص بهم منصات (التواصل الاجتماعي) والإعلام هذه الأيام وهو ما جعلني ألوذ بالصمت مكتفيا بالإنصات لتحاليلهم الخالية تماما من الرطانة واستعراض عضلات المعرفة. بدأت علاقتي مع نافذة الباص تتحسن عندما بدأت ملامح الطريق تصافح بصري أول مرة بداية من منعرج قرية بوسطة بين تنبدغه والنعمة متأملا بذلك معالمها بفضول عارم.
طول الطريق جعلني أرفع عمامتي لكل سكان المنطقة وهم يتجشمون منذ عقود عناء عبورها جيئة وذهابا وهو ما جعلني أيضا أتوق لفتح مطارها المغلق أمام الرحلات الجوية بغير حق، كما جعلتني أيضا كثافة تراثها وترامي أطرافها في جنوب الخريطة وشرقها أصنف لعيون ضمن منطقة الگبلة رغم بعدها من نسيم التيار الكناري البارد والمنعش. على يسار طريق الأمل لمعت مياه تامورت محمودة متخفية بين رؤوس الأشجار في أقصى الأفق مؤذنة بدنو ظهور مدينة النعمة.
بعد ترك 1200كلم من طريق الأمل وراء ظهورنا تجلت لنا مدينة النعمة وهي محاطة بجبال سمراء تخنق الأفق وتجعله متعرجا كأسنمة الجمال؛ أخذ بصري ينحرف في طرقها الفرعية متأملا دورها العتيقة؛ ومتجاوزا شارعها الكبير وقصور مترفيها لأن أرواح المدن تسكن دائما في العتيق من أحيائها وشوارعها. شعرت أن صلصالها الذي يغطي غباره ملامح المدينة؛ هو الذي خلق منه جدنا آدم عليه السلام. ربما كان گلب أنگادي المشهور أحد الجبال التي رأيتها منتصبة في الأفق؛ مع أن الثلاجة التي قمت بفتحها لم تكن تحتوي على (حليب أنگادي). دقائق قليلة قضيتها منتظرا تفريغ الباص من بعض حمولته داخل قلب المدينة قبل مواصلة الرحلة دون أن أغوص عميقا بداخل تفاصيل المدينة التي يقال بأنها لا تجتذب قلوب زوارها من أول نظرة، بل إنها تستدرجهم بكل بطء للوقوع في حبها، فكلما لبثوا فيها زمنا؛ استعصى عليهم الفكاك من جاذبيتها حتى تأتي اللحظة التي يجدون أن ذرات غبارها تفوح منها روائح العطور.
خرجنا من سوق المدينة الذي يمزج الأصالة بالمعاصرة في تناغم ملفت، فترى قطعان الإبل تمر بمحاذاة البنوك التجارية. عندما بدأت أضواء الغروب تحترق في خاصرة السماء خشيت أن حريقا لا قدر الله قد شب في العشب الجاف الذي رأيته يكسو الأرض على طول الطريق، كأن الشمس هنا تغرب في عين حمئة. قال أحد الركاب بأن قطع الطريق بين النعمة وباسكنو قبل تعبيدها كان شاقا ويستغرق يوما ويومين بالرغم أنها تبلغ 200 كلم. عند مدخل “عوينات أرجاط” أفصحت الأرض عن صعوبتها قبل تعبيد الطريق؛ صخور متلاصقة مغطاة بتربة سمراء فيما يعرف بمنطقة “كوش” التي منعني حلول الظلام بنقطة تفرع الطريق ما بين آمرج وباسكنو من تفرسها، لنصلي المغرب متأخرا عن وقته بقرية “بنگو”. إن تشييد الطرق إنجاز ثمين لا يدرك قيمته إلا من كابدوا مشقة المطبات والحفر واستنشاق الغبار. في مدخل باسكنو تشعر حقا بأنك دلفت بلاد الملثمين. السيارات الرباعية الدفع تقف في مهبط الباصات يتلقف أصحابها القادمين لتوهم لعل سفرهم سيتواصل داخل الخريطة أو خارجها. رجل يتكلم بحسانية متثاقلة كان يبحث عن ركاب لمدينة تنبكتو التي تبعد 400 كلم من باسكنو والبالغ ثمن أجرتها 1200 أوقية جديدة، استفسرته عن طريقها أجابني وهو يبتسم بأنها آمنة، لو كنت حرا طليقا ليلتها لسافرت معه دونما تردد، كما منعني الظلام أيضا من أخذ انطباع عن مدينة باسكنو التي مررت بها مرور الكرام. حملنا أمتعتنا في حوض (هيليكس) وتوجهنا ناحية فصالة، وتجنبنا “رامبله” وسلكنا طريقا رمليا. مخيم أمبرة للاجئين الأزوادين يقع غير بعيد من الطريق إلى فصالة لكن الليل أسدل ستارا معتما على جنبات الطريق ولم يترك من المناظر المرئية فيها سوى انعكاس أضواء مصابيح السيارة على الطريق والحشائش والأشجار. عند الحادية عشر ليلا وصلنا قلب فصالة بعد قطع مسافة 1460 كلم استغرقت منا 29 ساعة من التوقف للنوم والاستراحة حينا والتململ على مقعد الباص الذي وجدت حزام أمانه متعطلا عند انطلاق الباص السادسة مساء من نواكشوط. كانت سماء فصالة مرصعة بنجوم لامعة وساحرة وبدا أن أديمها أكبر بكثير من أديم الأرض تحتها؛ كأنها قبة ضخمة بنيت على منازل المدينة الطينية والمكعبة والمحاطة بالزرائب حينا وحينا بالحيطان. كانت ملامح المدينة الذائبة في الظلام شبيهة بحلم قديم، كانت غارقة في الصمت باستثناء صياح الغنم ونباح الكلاب المتقطعان؛ وجدت المدرسين ناموا جميعا فصليت وتعشيت وارتميت فوق السرير وارتخى جسمي بشكل كامل فوق سرير الأسفنج؛ حتى شعرت أنني لن استيقظ إلا يوم القيامة.
في الصباح الباكر؛ استيقظت على النور ينفض الغموض عن وجه المدينة التي وجدتها مدينة تجارية نشطة؛ تكتظ بالدراجات النارية وشاحنات تفرغ حمولتها داخل المخازن ودكاكين معبأة بالبضائع ومحطات للبنزين وحركة دؤوبة للناس وعلى صوت ينبعث من مئذنة أحد المساجد يذكر الناس بالصدقة وهي عادة تتكرر كل صباح. بما أنه أول يوم ارتديت ثيابا أنيقة وعصرية؛ بنطال وقميص وأحذية لامعة ووشاح يلتف من حول العنق وذهبت إلى الثانوية في أقصى المدينة، عند بوابتها سمعت همسات التلاميذ وهم يصوبون نظراتهم نحوي وأحدهم يهمس قائلا: نحن لا يدرسنا “الكفار”. دخلت ووجدت طاقم الثانوية منشغلا بتقديم دروس جماعية عن نبذ “الكراهية”، دعاني المدير لمشاركتهم حصة التوعية؛ فاعتذرت حتى لا أبدأ حديثي مع التلاميذ عن “الكراهية”. الغريب في المؤسسة أنها لا تحتوي إلا على ثلاث حجرات دراسية فقط! رغم كثافة المدينة سكانيا وكثرة القرى التي تغذيها بالتلاميذ عاما بعد عام ورغم احتوائها على ستة أقسام دراسية وقسم سابع في الطريق. بالإضافة إلى غياب تام لأستاذ لمادة العلوم طيلة الفصل الأول وربما الثاني والثالث، وغياب أستاذ للانكليزية طيلة الفصل الدراسي الأول بالإضافة إلى العام الماضي بأكمله. ربما هو التوزيع لغير عادل لطواقم التدريس هو ما يسبب هذه الفجوات في معظم المؤسسات التعليم العمومية إضافة إلى التسيب. بعيدا عن مآسي التعليم؛ سوق مدينة فصالة كبير وينشط أكثر يوم الاثنين فيما يعرف بالسوق ويشبه إلى حد ما سوق عكاظ الذي كان يلتقي فيه الشعراء، إلا أن سوق فصالة الأسبوعي يأتيه التجار من كل المناطق الحدودية بداخل موريتانيا ومالي لتبادل السلع بالإضافة أيضا لسوق آخر للمواشي من بقر وإبل وغنم. إنها منطقة احتكاك نشطة بين عدة ثقافات ولغات مختلفة، يلاحظ ذلك على سحنات الناس. الخدمات هنا متوفرة؛ حتى أنه يوجد فيها مرآب لإصلاح الدراجات النارية المستخدمة هنا في كافة أنواع التنقل. عندما يكتمل طريق فصالة-باسكنو ثم يمتد ناحية غاوا في مالي ومنها إلى باماكو العاصمة؛ ربما تزدهر المدينة أكثر وأكثر.
هنا فصالة. وعندما أنام ليلا أخشى أنني إذا ما تحركت أثناء النوم؛ أن استيقظ صباحا على رأسي داخل خريطة موريتانيا وبقية جسمي داخل خريطة مالي. ننام هنا في حدود التاسعة والنصف ليلا ونستيقظ مع صياح الديكة.
الساعة 21:03 وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

شاهد أيضاً

تعرض الداعية ولد الحسن لوعكة صحية مفاجئة

ذكرت مصادر إعلامية متطابقة تعرض  العالم والداعية الجليل الشيخ/ محمد الامين ولد الحسن  لوعكة صحية مفاجئة …