محظرة اهل سيد عثمان ولد الطالب محمد التنواجيوي

 

لئن كانت القاعدة التي أسس لها “ابن خلدون” تقول إن الحضارة و التعلم مرتبطان بالتمدن و التحضر، وإن الجهل و التخلف مرتبطان بالبادية و الترحال  فإن ” المحظرة”  الشنقيطية  شكلت استثناءً صارخا لهذه القاعدة. 

فقد مثلت” المحاظر”  في المجتمع الموريتاني  مؤسسات تعليمية مفتوحة، ظلت تنشر المعارف الإسلامية بمختلف فنونها في ربوع الصحراء، وكانت وعاءً حافظا لعلوم الشريعة، ومرتعا للنهل من معين لا ينضب من شتي صنوف المعارف  

محظرة أهل سيد عثمان  ولد الطالب محمد التنواجيوي  إحدى المحاظر التي كانت منارة للمعرفة ومعقلا للعلم  بالحوص الغربي 

نبذة عن المحظرة وشييخيها 

محمد بن سيد أحمد عبد الله الملقب (ديده ) بن سيد عثمان بن عبد الرحمن بن  الطالب محمد  بن الطالب عبد الله بن المختار بن عبد الله السايح بن المختار بن أحمد بن ما يمتس بن أجبرك بن سيدي يجيى الإدريسي الجد الجامع لقبيلة  تنواجيو الاشراف

و تعد هذه الأسرة احدى الأسر المعروفة  في

(  فخظ إيجَاجْبُرْكَ  )  التنواحيوي بمنطقة  أرض  ترمسة  والتي تضم ست  أفخاظ شهيرة من أفخاظ قبيلة تنواجيو الأشراف وهم 

فخظ إيجاج برك وفخظ  أهل ٱجه  وفخظ أهل أوجه وفخظ أهل  أولاد المايماس  وفخظ أهل التحميد  وفخظ أهل الطالب موسى 

 وأهل سيد عثمان ولد الطالب محمد هو الاسم الذي عرفت به الأسرة على ألسنة الخاصة، و العامة و به شهرتها

وكان سيد أحمد عبد الله ولد سبد عثمان المولود في حدود  1862م   أحد أعلام الأسرة التنواجيوية ولد في ولاية الحوض الشرقي غير بعيد من (اركيك) حاليا حيث يوجد قبر سيد يحيى  الإدريسي حسب إحدى روايتين عن مكان ضريحه

 بينما تؤكد رواية أخرى عن وجود الضريح في  مدينة مغربية تحمل اسمه   وهي  سيدي يحيى الغرب  ، تبعد عن الساحل الأطلسي بحوالي30 كم، على بعد 65 كم شمال شرق العاصمة الرباط حاليا

شب سيد أحمد عبد الله واخذ حظه من العلم وهو في كنف  أخواله  قبيلة كنت  متنقلا بين محاظر   وزوايا    كل من بلنوار ” (400 كم) شمال تمبكتو والتي  انطلق منها الورد القادري صوب افريقيا والصحراء وولاته أحد أهم المراكز العلمية والثقافية في المنطقة   وبعد حصوله على الإجازة في القرآن والتفقه في الدين 

 شد الرحال نحو مضارب القبيلة وبالتحديد  منطقة ترمسة   فخظ  أهل ؤوجه في حدود 1892م  بدأ سيد أحمد عبد الله نشر العلم وتحفبظ القرآن عبر محظرته التي أسسها من هناك حيث اشتهر بالفقيه صاحب القرآن وبعد عدة سنوات فضاها مع أهل ؤوجه كانت سكنا  ومكاتبة و كانت محظرته خلال تلك الفترة  مشعلا بينهم

نشبت خلافات بينه مع احد اعيان المنطقة كان أساسها على مايعرف بالجزية أو العشر  وكانت سببا في شد الرحال نحو  فخظ  إيجَاجْبُرْكَ  حيث كان محل تقدير وترحيب من طرف أسرة  أهل أعمر ولد اشريف  والتي تتولى المسؤولية التقليدية لمجتمع  إيجَاجْبُرْكَ بل زعامة أفخاظ تنواجيو بأرض ترمسة عامة    وتم تحويل الأسرة بما يعرف آن ذاك من (اكتاب اهل ؤوجه ) إلى ( اكتاب إجاج بركة) وسار على نفس المنوال شيخا لمحظرة اهل سيد عثمان التي درست وخرجت المئات القرآن وعلومه وكانت من بين المدارس العلمية التي سايرت تطور الحياة العلمية في مجتمع  إيجَاجْبُرْكَ عموما 

تنقل سيد أحمد عبد الله بين حمى القبيلة حيث كان كل ما حل يكون محل تقدير وترحيب ويكون لمحظرته صوت مسموع لقب في منطقة ترمسة( بطالبن)   حيث ذاع صيته وكان كعبة علمية تشد لها الرحال 

أوصلته عصى الترحال إلى  أهل آباتي  و أولاد بو امحمد  مؤسسا امتداد لمحظرته غربا من هناك  حيث تزوج منهم وخلف فيهم ابنه  سيد  ولد سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان (1920م _ 1996)  رجل القرآن المعروف  بينهم   و الذي خلف   أبناءه  العارفين بالقرآن حفظا وتجويدا    الطالب  أحمد   و سيدنا   و   الشيخ ابراهيم  ولد سيد عثمان  الملقب ( باهية ) أحد شيوخ  طرق التصوف المعروفين في المنطقة والموجود  في عين فربة   وذالك  بعد ما   أخذ الطريقة القادرية  على يد  شيخه الولي الصالح   الصوفي ولد البان ولد أحمد للحاج  وتصدر على يديه شيخا في الطريقة القادرية  

عاد سيد أحمد عبد الله إلى حمى  إيجَاجْبُرْكَ من جديد بعد رحلة قصيرة قادته إلى  أ هل ٱباتي  وبدأ في توريث محظرته لنجليه  محمد ولد سيد أحمد  عبد الله ولد سيد عثمان وأخوه أيدة ولد  سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان   لأمهم مناها منت محمد محمود ولد أحمد جدو ابنة رجل التقى الذي خدم القرآن وبثه في صدور الرجال وهو من أجازهما بعد اتقانهم القرآن وعلومه

 

وبما أن السحابة تختفي بعد ما تروي الأرض بمائها رحل سيد أحمد عبد الله ودفن بين ذويه في مقبرة( تادرت )  الشهيرة في حدود 1939م   تاركا إرثا من العلم في مجتمعه مازال صداه يسمع حيث يعتبر اليوم أحد المرجعيات في السند القرآني المعتمد في منطقة الحوض الغربي 

وخلف  سيد أحمد عبد الله في  إيجَاجْبُرْكَ  كل من محمد وأيده أخوة أشقاء لأمهم  مناها منت أحمد جدو   

وامريم  وأم اسلامه   لأمهم عائشة منت أحمد عمو

  وخلف  في أهل  أهل آباتي   إبنه سيد وشقيقتيه اتويتو والويلة لأمهم منة منت بتار

واصل محمد ولد سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان (1893 م –  1957م ) طريق  والده سائرا على نفس المنوال وارثا اسمه( طالبن ) بل ازداد صيت المحظرة وروادها ومن بين الروايات الشعبية المتداولة حولها  (أن ضوء نارها لا يخمد )
من المعروف أن من ما فرضته ظروف البداوة وقلة الوسائل المذاكرة والمراجعة على ضوء النار ليلا

ومن بين أبناء مجتمعه الذين كانو روادا لمحظرته إن ولد اسماعيل وأعمر ولد شخين ولد بداده وأبناء شقالي ولد أعمر وعميره ولد السيد ودام والد أحمد عثمان وسيد ولد الطالب أحمد
وأبناء اهل الشيخ ولد اعمر ولد اشريف الذي كانت تربطه علاقة صداقة وطيدة مع والدهم الشيخ ولد أعمر ولد اشريف زعيم   إيجاج بركه    والتي تقول الروايات أن من بين أسباب وفاته حزنه على رحيله بعد ما أخبره ابراهيم  ولد اعلي ولد هني بوفاته  فقال متحسرا  ( مابگة حد)  ووافاه الأجل المحتوم ثلاثة أيام بعد ذالك  سنة 1957م

ورغم خصائص البيئة الثقافية والإجتماعية  القائمة على الترحال، في تلك الفترة لم  يقتصر محمد ولد سيد عثمان على تدريس القرآن وتدارسه فحسب بل كان التأليف والتدوين جزء من حياته مؤلفا  عن أسماء الله الحسنى شرحا وتبيانا كما ترك مكتبة زاخرة  حوت كل ماهو نفيس  

عرف بالصلاح والتقى ومن بين الروايات المتداولة عن صلاحه أنه لما اشتد عليه المرض أخبر قومه انه سيصلي عليه صديق له أحد أعيان المنطقة  شيخنا ولد اكبادى والذي ذهب  في رحلة حج منذ مايزيد على سنه ونصف  

فمن المعروف أن رحلة الحج كانت تستغرق سنتين في تلك الفترة ذهابا وإيابا 

وبعد قدوم شيخنا ولد اكبادي  بيوم واحد  صعدت  روح محمد ولد سيد عثمان  الطيبة إلى بارئها بعد أدائه صلاة العشاء 

وأم المصلين عليه شيخنا ولد اكبادي

وكالعادة اختفت السحابة من جديد بعد ما روت الأرض   بمائها ورحل محمد ولد سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان عام 1957م   وأفل  نجم لألاء كان  يتراءى   بين  القمم  وينبوعا روي عطش الأخاديد  ومد لتواصل أجيال الصحراء جسورا راسخة مع الحضن المرابطي الذي أنتج حركة علمية واسعة قدمت للتاريخ جهابذة ومفكرين  ويوجد ضريحه في مقبرة لمليحس حاليا التابعة لبلدية أم لحياظ  بجانب شيخه المصلح ولد الدين أحد أعيان أهل الدين والذي  سبق وأن درس عليه بعض علوم القرآن

وخلف محمد في  إيجَاجْبُرْكَ  كل  من  سيد أحمد  عبد الله  و الداه  و لبات و  امريم  و أمات  و آمنة إخوة أشقاء  لأمهم فاطمة منت سيد ننة

  و الديه ولد محمد ولد سيد عثمان (1941م   – 2021م)   لأمه  لعزيزة منت آكية ولد آجة  

واعلانَ  ولد محمد ولد سيد عثمان  لأمه    أمون منت السيد 

  و الذي تنقل  فيما بعد إلى  منطقة ( اركيبة  )  بلعصابة حيث أوصلته مهنة التدريس  إلى  هناك  معلما  قبل أن يتقاعد  ويستقر به الحال في تلك المنطقة    

و لم يحد أيده ولد سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان (1896 م – 1964م)  عن طريق  شقيقه  محمد  ووالده  سيد أحمد عبد الله  تُقا   و  زُهداً   في الدنيا  وهي صفات  لازمت أسلاف المجتمع التنواجيوي

  حاملا   لواء نشر العلم وتحفيظ القرآن مترجما واقعيا بيت  المختار ولد بون الجكني 

((   ونحن ركب من الأشراف منتظم ….. أجل ذا العصر قدرا دون أدنانا 

قد اتخذنا ظهور العيس مدرسة ….. بها نبين دين الله تبيــــــانـــا   ))

 متنقلا بين حمى  تادرت. وبو لكلال   ومد الل.   وعلب الشوفه وباغنة .  على تخوم مالي  مؤسسا امتدادا  لمحظرة أهل سيد عثمان شرقا 
 قبل أن يعود إلى حمى القبيلة مستقرأ   في (أهل لات) وهو تجمع يحل ويرتحل  يضم عشرات أسر مختلفة قاسمهم المشترك تنواجيو أهل ترمسة  من ضمنهم أهل اشريف وأهل أحمد ناجم وأهل بگة وأهل الطلبة وأهل ٱمين وأهل زيدان 

منكبا على تدريس القرآن ودراسته حتى سلمت  روحه الطيبة إلى بارئها  في حدود 1964م  ودفن بين ذويه في مقبرة بكنات  وهي إحدى مقابر تنواجيو الشهيرة بترمسة  

وخلف أيده  ولد سيد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان كل من    محمد و امريم واتويتو  لأمهم    لاله  منت أعمر  السالم  وابراهيم ولد أيده  لأمه  ميني   منت أحمد  زيدان في أهل ؤوجه   والويلة وفاطمة لأمهم لقنية منت سيد الننه  

أما أسرة أهل سيد عثمان في الحوض الشرقي هم  ذرية  الشيخ أحمد  ولد سيد عثمان ولد الطالب محمد أخ سيد أحمد عبد الله  ولد سيد عثمان و عم  الجميع  تقطن في ( بنگو ) بالحوض الشرقي 

و خلف الشيخ أحمد الذي تربى مع اخواله تجكانت في تلك المنطقة  ابنه الشيخ أحمد والذي حمل أسمه بعد وفاته قبل ولادته لأمه  منت اسليمان ولد الطالب أعمر ولد الطالب عبد الله والذي خلف ابنه الطالب محمد ولد الشيخ احمد   ولد الشيخ أحمد    ولد سيد عثمان  (1910م  – 1998م  ) سائرا  على نهج  أجداده حاملا مشعل محظرة أهل سيد عثمان في تلك الربوع 

وخلف  الطالب محمد  أربع أبناء هم  المحفوظ ( محمد الأمين) و حيد ( سيدي عثمان) و محمد يسلم و شيخنا وخمسة  بنات هن  مختارة و مريم وزينب و فاطمة وأمات 

فلئن كانت القاعدة التي أسس لها “ابن خلدون” تقول إن الحضارة و التعلم مرتبطان بالتمدن و التحضر، وإن الجهل و التخلف مرتبطان بالبادية و الترحال  فإن محظرة أهل سيد عثمان بن الطالب محمد   شكلت استثناءً صارخا لهذه القاعدة 

فقد استطاعت  على يد  شيخيها سيد أحمد عبد الله وابنه محمد أبناء سيد عثمان بن الطالب محمد التنواجيوي وفي صحاري الحوض الغربي   أن تطاول  الفرقدين مشعلا مضيئ  عن طريق اللوح الخشبي وقلم السيال والحبر المصنوع من مشتقات معدنية محلية بسيطة، وأصيلة و  أن تحقق ما حققته كبريات المدارس الإسلامية بما امتلكت من وسائل علمية متطورة تركت صدى في المنطقة عموما   

وأوردها المؤرخ المختار ولد حامدن في كتابه حياة موريتانيا عند حديثه عن مشاهير تنواجيو و محاظرهم

 

 

الكاتب : محمد الملقب غالي ولد اعلان ولد محمد ولد سبد أحمد عبد الله ولد سيد عثمان 

شاهد أيضاً

أسرة أهل محمد الإمام تشكر المعزين ( بيان)

(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وادْخُلي جَنَّتي)، صدق …