
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾
— سورة الإسراء.
وقال النبي ﷺ:
«مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّين».
وقال أبو الطيب المتنبي:
«أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ
وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ».
رأى النور في العشر الأواخر من رمضان كتابٌ من تأليف محمد ولد اعلانه ولد سيدي عثمان الملقب “غالي”، يكرم ويحتفي بالمحظورة التنواجيوية، عنوانه: (المحظرة التنواجيوية: سيد أحمد عبد الله ولد سيدي عثمان 1848م — 1939م، مآثره وامتداده العلمي والمجتمعي).
تزدان مكاتبنا، التي هي واحات الأنفس الزكية، بهذا الكتاب القيم الذي يحتفي بالإرث المعرفي المحظري لدوحة البيت النبوي، الأشراف التنواجيون العظام، الذين نذروا حياتهم لخدمة كتاب الله وسنة رسوله، على منهاج هذه الربوع الموريتانية التي تبوأت فيها المحظرة مكانًا عاليًا في الحفاظ والذود عن الدين والهوية والقيم.
فالمحظرة هي أزهر الصحراء المرابطية، التي طال نورها مشرقًا ومغربًا في البلدان الإسلامية، لتصبح رمز البادية العالمة، وتفردها وتألقها بين الأمم. وإذا كان علماء التاريخ والاجتماع أسّسوا أمدًا من الزمن بأن الحضر حاضنة للعلم، والبداوة صنوٌ للجهل، فقد غفل هؤلاء أو تقاصر فهمهم عن إدراك أن المحظرة جذوة من نور رباني، أُسست على التقوى، وسيظل كذلك ما تعاقب ليلٌ ونهار.
ولا عجب، والأمر كذلك، أن تعلن اليونسكو
المحظرة كعنصر أصيل من التراث الإنساني. وقد وُفِّق كاتبنا في سعيٍ وجهدٍ مشكور، وسعيٍ مبرور، لرصد وجمع توثيقي طويل النفس، لتقصي مناهل العلم التي سقت مناطق عدة، ما بين ترمسه وأفل بالحوض العربي، إلى لعصابه بإركيبه.
وعلى أثر الجمع والتحقق، أقدم إلى تأليف هذا الكتاب، الذي هو في المحصلة مقابلة الإحسان بإحسان. فقد جاد علينا هؤلاء العلماء الربانيون، والعلماء العاملون، بمعروف دائب، إذ أرسوا دعائم العلم والدين وتزكية النفوس، فقد انبرى مؤلفنا لحفظ هذا التراث، وكأنه يتمثل قول المتنبي:
“وقيدت نفسي في ذراك محبةً، ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدًا”.
إن المحظرة عندنا نحن الموريتانيون كالأم، وأكرم بها من أم عزةً وحلمًا وحسن تزكية وتربية، مثلها كمثل شجرة مباركة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
كان التقري في أرض موريتانيا نادرًا ومتنائيًا في أطراف البلاد، فأينما وجدت عين ماء جارية، على قلتها، تُغرس الواحات، وبين النخيل الباسقات يسبحن بحمد الله، والأودية المتألقة والجبال الرواسي يسبحن بالعشي والأبكار، تُضرب خيام الخير والعلم، يتلو فيها الطلاب ما تيسر من آيات القرآن الكريم، ويتدارسون سنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
فتنشأ المحظرة، وتنضح، وتؤتي أكلها بإذن ربها، قرآنًا يتلى آناء الليل وأطراف النهار، وسنة نبوية شريفة تحفظ وتتبع، وكانت مداولة العلم والتعلم ومزاولته من فجر يوم إلى فجر اليوم الذي يليه، وبعد دلوك الشمس من الظهيرة وحدها ساعات يسيرة للدعة أو تدبير شؤون الحياة.
لقد ألف الناس الترحال على ظهور الإبل، تحمل أبحرًا من العلوم وعيونًا لا تنضب من الحكمة، وفي ذلك يقول ابن بونه: قد اتخذنا ظهور العيس مـــــدرسة بــــها نبين دين الله تبيــــــــــانا
إن طلاب المحاظر وعلماءها الربانيين كانوا كالشموس للدنيا، والعافية للجسد، ورافقوا وجدان الإنسان الموريتاني كنجوم يهتدى بها في عتمة ووحشة الحياة.
وتحية لموقع القافلة الإعلامي، كحاضنة مؤتمنة، جمعت ووثقت ومحصت هذا التراث المحظري الطيب، وكأني بها جمعت إلى دور الشاعر قديمًا في حفظ مجد قومه، ودور المؤرخ في رصد الوقائع.
و منذ فجر التاريخ الإنساني و ميلاد الكتابة ظلت القوافل تجوب الصحاري بين الأمصار والمدن والقرى، تحمل زادًا حضاريًا مكينًا وراسخًا، يؤكد أن المحظرة هي خير عمران معرفي وبشري في أرض بلادنا المعطاء، التي اخضرّت فيها قلوب أهل القرآن، برغم نوائب الدهر وقحط الغبراء التي عاشوا فيها قرونًا عديدة.
موقع القافلة الإخباري موقع اخباري موريتاني