حين يشيخ النهار / بقلم محمد غالي سيدي عثمان

كلُّ غروبٍ للشمس يحمل رسالةً صامتة؛ فذلك القرص المتوهج الذي كان قبل ساعات يملأ الكون دفئًا ونورًا، يغيب بهدوء تاركًا خلفه سكونًا موحشًا. وكأن الغروب يهمس للإنسان: هكذا تمضي الأعمار… دون أن يشعر أصحابها.

ما أقسى معادلة الفناء! يبدأ الإنسان رحلته باكيًا، ثم يركض خلف أحلامه، ويشيّد آماله، ويظن أن الوقت يتسع لكل شيء، حتى يفاجئه المساء الأخير. عندها لا يسأل الناس: كم جمعت؟ ولا كم بلغت؟ بل يسألون: ماذا تركت بعدك؟

إن الشمس، رغم غروبها، تعدنا بفجرٍ جديد، أما الإنسان إذا غربت شمس عمره، فلا يعود إلى هذه الدنيا. لا يبقى منه سوى دعوة صادقة، أو علمٍ نافع، أو كلمةٍ أحيت قلبًا، أو أثرٍ يروي أنه مرَّ من هنا ذات يوم.

ولعل أكثر ما يوجع القلب أن كثيرين يغيبون قبل أن يدركوا أن العمر كان أقصر مما ظنوا، وأن الأيام التي أضاعوها لن تعود، وأن كل غروبٍ كانوا يشاهدونه كان ينقص من أعمارهم غروبًا آخر.

لذلك، كلما وقفت أمام شمسٍ تغيب، تذكّر أن يومًا من عمرك قد انقضى، وأن صفحةً لن تُفتح مرةً أخرى. فالأجساد إلى التراب، والأيام إلى النسيان، ولا يبقى بعد الفناء إلا الأثر… فإن كان جميلًا، أبقى صاحبه حيًّا في القلوب، وإن خلا من الخير، كان الغياب مضاعفًا.

فما بين شروق الميلاد وغروب الرحيل، يكتب كل إنسان معادلته الخاصة مع الفناء.

محمد غالي سيدي عثمان

شاهد أيضاً

فاتح أغسطس.. محطة وطنية في مسار البناء والاستقرار

تحل ذكرى فاتح أغسطس 2019، وهي مناسبة تستحضر محطة مفصلية في تاريخ موريتانيا الحديث، حيث …