مساجلات

كتب د. حماه الله ولد السالم سنة 2012
دار ابن لقمان على حالها ..قبل خطاب (نواذيبو) وبعده.

اسم مدينة (نواذيبو) تعريب لتسمية بربرية (اخف تيگگت) معناها: رأس الكلب! أكرم الله أهلنا في مدينة الحوت. وقطعا هناك في الترجمة خطأ مقصودا جعل من الكلب ذئبا!

تقول الحكمة الصينية إن لكل سنة بعينها حيوانا مخصوصا، فهذه سنة التنين وتلك سنة النمر، وهذه سنة السرحان وهكذا… أهل مدينة نواذيبو (رأس الكلب) قوم كرام كباقي أهل بلدنا الطيبين، لكنهم ليسو بمنأى عن ظلال تلك الحكمة الفلكية الصينية الغريبة.

لم يُعرف أهل نواذيبو بتربية الكلاب، لأنهم مسلمون على مذهب مالك شديد الكراهية للكلاب وما يتصل بها، رغم أن أهل المدينة يقفون على الشاطئ المقابل للجزر الاسبانية وأهلها شديدو الاختلاط بتلك الحيوانات الأليفة.

لا ندري أين دُفنت جثة ذلك الكلب المشؤوم، لكن رأسه بقي علَمًا على تلك المدينة الكريمة، ما يدل على أن في الأمر سرا وحكمة، قد تكون نزعة كلْبيّةً تسْري في الأرض والشاطئ والحيتان.

على سكان نواذيبو أن يبحثوا عن رأس الكلب المشؤوم الذي جعل كل سنواتهم كلْبيّةً، تفيض وفاء ورضا وقناعة، في ظل كل الحاكمين والحكومات.

وهذه سطور ليست من قبيل تشْقيق الكلام ولا البراعة في صناعة الترسل، أحرى أن تكون من قبيل المقالات الرصينة التي يدبجها أرباب القلم المحترفون.

إنها نوع من تلك الخواطر التي تتسلل خلسة إلى أولئك المغرمين بالجلوس على الكثبان الصفراء وتأمل الغروب وسماع الأصوات الفطرية، ما يشي بأن في نفوسهم نزعة ذئْبيّة حقيقية متوحشة متمردة مناقضة تماما للنزعة الكلْبيّة.. إلخ

**********

وكتب الأستاذ أحمد بابا ولد أحمد مسكه (رحمة الله عليه)
“كل شيء له حظ من اسمه” أو كل”شيء يلوح في شيء”

هل يحق لأي كان ان ” يدْخلْ بينْ ” د.حماه الله وإحدى مناطق وطنه؟ أليس الدكتور هو المؤرخ الكبير الخبير بتاريخ البلاد وسكانها وهو الوطني الغيور على أمجاد أوطانه ومصالحها مما يعنى الدفاع عن وحدتها الوطنية والاهتمام بجميع مكوناتها جنوبا وشمالا وشرقا وغربا؟ نعم، بدون شك …
لكن ربما لم ينتبه الدكتور بما فيه الكفاية إلي مستوى الحساسية التي يخص بها مواطنونا الأماكن التي يعتبرونها مهدهم الخاص ويربطون بها سمعة ذويهم وكرامتهم بحيث ” يتْحمْجاو لها ” أكثر من اللازم؟

لا شك أن ذلك هو سبب ردود الفعل التي أثارها المقال الذى تعرض فيه الدكتور أخيرا لاسم نواذيبو، وسبب “الاحتجاجات ” التي وصلتنا ضد الإهانة المفترضة ل “أهل الساحل” وحتى ضد من لم يرد عليها ومن لم يدافع عن “كرامة أهله …”

*****
وليس من الغريب أن يكون أول من تصدى “للدفاع” عن نواذيبو ـ إثر نشر مقال د. حماه الله ـ أحد مثقفي قبيلة من أهم مجموعات الساحل وأقدمها ليس فقط في هذه الربوع ولكن في التاريخ العربي (حتى ولو لم تكن هنالك صلة بين دليمنا هنا وبين الديلم الذين جاء ذكر “حياضهم” في شعر عنترة بن شداد)؛ أعني قبيلة أولاد دليم التي كان لها دور أساسي في مقاومة الغزو الاستعماري الأوروبي…، كما وصلتنا احتجاجات من بعض من ينتمون إلى مجموعة أخرى من الوزن الثقيل في الساحل (الرقيبات وهم كذلك من قاوموا الاستعمار الفرنسي حتى النهاية قبل أن يواجهوا الاستعمار الإسباني مع غيرهم من سكان المنطقة).

هنالك مجموعات أخرى ساهمت إما في الدفاع عن الحوزة الترابية وإما في الإشعاع الروحي والثقافي للبلد وأحيانا فيهما معا. نذكر منها (انطلاقا من إينشيري أي القبائل التي كانت “مسجلة” في أكجوجت قبل “الاستقلال”، وليس الترتيب مبنى علي أهمية القبائل فلا يعني بالضرورة ذكر قبيلة قبل أخرى “تفضيلها” عليها … ولا العكس طبعا): أهل محمد سالم، أولاد اللب، أولاد أبي السباع، أهل ألفغ الخطاط، أهل الحاج، أهل بارك الله، أولاد ألفغ حيبل، إيمراكن؛ ثم نواذيبو وما وراءها : أولاد دليم، أهل بارك الله، القرع، أولاد أبي السباع، تكنه، لعروصيين، أولاد اللب، الرقيبات الصكارنة، أهل الشيخ ملعينين، بعض تندغة كأهل بوحبينى واهل سيد المصطف، لعويسيات، إيمراكن …؛ ثم تيرس و زمور وما وراءهما : الرقيبات، تكنه، الزركيين، أولاد تيدرارين، أهل بارك الله، أولاد بسباع…

هذا وإن للمدن في الساحل الآن “هوية” خاصة لأن هذه المدن لم تكن موجودة قبل الاستعمارـ القديم والجديد ـ وشارك في تأسيسها مواطنون قادمون من ولايات أخري خصوصا أهل آدرار الذين كان لهم فضل السبق بمختلف قبائلهم شمس الدين، أولاد عمنى، إدوعل، لغلال، إديشل، أولاد آكشار، أولاد غيلان، إدولحاج، كنته، لشياخ، أهل سيد أحمد…الخ ثم لما أصبحت مدن الساحل مراكز معدنية وصناعية، توافدت عليها اليد العاملة واليد التاجرة وجميع الأيدي و الأيادي الفاعلة ل … كل ما لم يكن يتصوره بدو تيرس وتازيازت وزموروإينشيري… فأصبحت كل من نواذيبو وأكجوجت والزويرات عبارة عن موريتانيا مصغرة بكل قبائلها و أثنياتها. بقيت “خصوصية” واحدة أو فارق واحد بين أهل الساحل القديمين وبين سكان المدن الحديثة القادمين من الحوظ، الترارزة، آدرار، سيلبابي، العصابة، كيهيدي، تكانت، لبراكنة… الخ، هو أن هؤلاء الأخيرين يعتبرون أنهم من مواطني المدينة التي يعيشون فيها ، لكنهم لا يعتبرون أنفسهم من أهل الساحل. هل يدوم هذا الفرق … بعد تتابع عدة أجيال؟ مهما يكن فقد ساهمت هذه المدن في التقارب والتعارف بين مختلف مكونات الوطن واختلطت الفئات والشرائح والقبائل بشكل يعزز الوحدة الوطنية ويساهم في تجاوز الفوارق الاجتماعية والطبقية.

*******
ملاحظات متفرقة

تقدم أحد المحتجين بسؤال لا شك أنه يظنه محرجا:
“الدكتور المحترم بلغنا أنه من أهل الحوظ، فما عساه يقول لو أن أحدا “ياسرة أخباره” قال إن سكان منطقة “أعيون العتروس” أصلهم اعتاريسْ وأن فيهم “عترسة” في الطباع لها تأثيرات اجتماعية غريبة…إلخ، مع كل ما يمكن أن يلفقه الخيال إذا ترك له الحبل على الغارب …
وفعلا أضاف معلق آخر أسطورة مفادها أن في الحوظ منطقة أخرى نساءها فائقات الجمال و رجالها كلاب، وأكد أن الأمر لا مراء فيه حسب ما أورده الرحالة الفلاني …
أجبت أني لا أدري ما ذا يحتمل أن يجيب الزميل المحترم إذا فرضنا أنه يرد علي مثل هذه الأساطير، لكني لا أرى ضرورة في طرحها.
فأما أسطورة الرجال ـ الكلاب فأصلها أن مسافرا غريبا على تلك المنطقة زار حيا من النمادي في فترة القيمارة و من المعروف أن رجالهم يذهبون لحملة الصيد ويتركون بعض النساء و معهن بعض الكلاب المعاقين بجراح أو مرض يتولين علاجها و يلاحظ الزائر الغريب أن في معاملة النساء للكلاب عناية كبيرة واهتماما زائدا وحنانا بعيدا جدا عن ما هو مألوف في مجتمعنا، والسبب أن الكلاب عند النمادي رفاق معركة دورهم حيوي للصياد وهم أيضا ثروته النفيسة والتي لا تعوض. صحيح أن في نسائهم الجمال، لكن لا نقص في رجولتهم، قوة وشجاعة وكرما؛ هناك دراسات أنتروبولوجية عن النمادي لمن يهمه أمرهم وقد صدر أخيرا كتاب طريف تحت عنوان: LA FILLE DU CHASSEUR “بنت الصياد”، تقص فيه مريم بنت الطويلب حياتها بالتعاون مع الباحثة صوفي كاراتيني.
– أما مدينة العيون، فإن لي معها قصة قديمة طويلة تشهد بأن من رماها بـ”العترسة” ظلمها ظلما صارخا؛ لقد جذبتني من أول يوم بجمال طبيعتها وطباع أهلها و”خفة هواهم” وتفانيهم في إكرام الضيف فلا أرى كيف لـ”العترسة” أن تجد مأوى بين رجالهم أحرى قرب نساء عرفن بالجمال والأناقة واللباقة و… حسن السلوك الأسري شهادة ممن كان “رب أسرة” عندهم.
هذا وربما كان بعض الشعراء مرهفي الذوق والحس يشعرون بعدم الملاءمة بين الاسم والمسمى فيبحثون عن بديل كما فعل أحد كبار مثقفيها حين قال :

“عيون التيس إنسان العيون :: بها ما شئت من كل الفنون
فلا أبقي الإله بجاه طه :: بها مرضا سوى مرض العيون”؛

وقد تجنبت بدوري استعمال التسمية الرسمية (اعيون العتروس) لصالح اسم قليل الاستعمال فبدأ الكاف بهذه التافلويت : ” امن اعيون المكفه متكنت … الخ ”

أضيف أني في الحقيقة كنت مهيئا لأنظر إلى العيون بعين الرضا، فقد كان لي منذ عهد الصبا زميل دراسة من أبناء العيون كثيرا ما حدثني عن تلك الأرض الجميلة التي بها “نيطت عليه تمائمه”، عن الحوظ وأهله، عن العيون طبعا وعن تنبدغة حيث كان من أول من دخل “مدرسة النصارى”، وعن خاي … وأصبح صاحب أهل الشرق هذا من أقدم وأعز أصدقائي؛ ولم أعرف في حياتي ـ الطويلة ولله الحمد ـ وأسفاري المتعددة عبر العالم وتجاربي المتنوعة، لم أعرف من يفوقه في الوفاء والصدق والإخلاص للأصدقاء في الشدة والرخاء، ولم أجد إطلاقا من يشبهه في التواضع .

ربما يكون في هذه الصداقة المثالية التي نشأت تلقائيا وتوطدت بين شابين بدويين قادمين من أقصي الشمال ومن أقصي الشرق، تأكيد لـ ”التشابه” الذي أشرنا إليه بين أهل الشرق وأهل الساحل (على الأقل بين أهل البوادي منهم).
وطبعا تأكيد أيضا لما لا يحتاج إلي تأكيد من تجليات الوحدة الوطنية. كانت هي الأولى ولم تكن الأخيرة فقد نشأت صداقات أخرى متعددة وصل بعضها إلى أعلي مستوي من الثقة والإعجاب.
وأغرب من ذلك أنه قد كان لأهل الشرق في حياتي دور هام ومبكر جدا لأن أحدهم هوالذي علمني القرآن، فقد كانت جدتي التي ربتني المرحومة سكينة تبحث عن رجل “حافظ وامجود” ومستعد ليسكن معنا ويتفرغ لتعليمي طول الوقت، وكان المرحوم سيد محمد ولد أحمد ، شابا من تنواجيو “تلميدي غربة” كما كان أهل شنقيطي يسمون طلبة العلم القادمين من مناطق بعيدة يوفرون لهم السكن والأكل والتعليم طبعا مجانا؛ كان شابا نشأ في طاعة الله طيبا ورعا له إلمام بعلوم القرآن فأقام معنا حتي أكمل “مهمته” تجاهي ودرس عليه أحد أخوالي “رسم الطالب عبد الله”.
وكان من المقدر له أن يستقر نهائيا بعيدا عن مسقط رأسه فقد تزوج داخل أسرة جدي ثم تنقل نحو الشمال وأصبح صاحب كتاب لتعليم القرآن في احياء الرقيبات حتي وافاه الأجل المحتوم، رحمه الله تعلى رحمة واسعة.
/
حفظ الله الدكتور حماه الله ورحم الأستاذ أحمد باب.

كامل الود 

نقلا عن صفحة إكس ولد اكرك

شاهد أيضاً

محطات من حياة المجاهد بناهي ولد سيدي ولد محمد الراظي

المجاهد بناهي ولد سيدي ولد محمد الراظي ولد لمرابط سيدي محمود احد العظماء الذين أنجبتهم …