المرأة الموريتانية والبحث عن تحقيق الذات

ننن

بجرأة لافتة اقتحمت المرأة الموريتانية عالم الرجال في مجتمع ظلّ حتى وقت قريب وفياً لتقاليد صارمة ترسم للمرأة عالمها الخاص من الولادة حتى الوفاة. عالمٌ محصور، غالباً، بين أطناب خيمة في البادية، وجدران منزل في المدينة، حيث تتفرّغ المرأة لتربية أبنائها وفق تقاليد القبيلة والطبقة الاجتماعية، وممارسة أعمال منزلية كالطبخ والحياكة وتصنيع أدوات بسيطة للاستخدام المحلي.

لكن  الجفاف الذي ضرب البلاد ، في سبعينيات القرن الماضي، شكلَ منعطفاً حاسماً في حياة المجتمع الذي كان يعتمد على الفلاحة والزراعة. فدفع نفوق قطعان المواشي وجفاف الحقول بآلاف الأسر للهجرة إلى المدن.

ولم تكن المرأة الموريتانية استثناءاً من هذا التحول، إذ اتخذت مكانها سريعاً إلى جانب الرجل. لكنّ التكيّف مع ظروف الحياة الحضرية لم يكن بتلك السهولة لا سيما أنّ عمل المرأة اصطدم بمعارضة اجتماعية واسعة من الأوساط المحافظة التي تحظّر أيضاً دراسة الفتيات في المدارس الحديثة.

فظهرت آثار حرمان كثير من الفتيات من الدراسة على حياتهن نفسياً واجتماعياً، وعلى مستقبلهن المهنيّ بعد تركهم لمقاعد الدراسة، ودخولهم مبكراً إلى البيت الزوجيّ، في مجتمع يعتبر الزواج قراراً أبوياً في الدرجة الأولى.

والواقع أنّ العقلية الاجتماعية في موريتانيا تطوّرت بشكل لافت خلال العقود الأخيرة، بعدما أسّس انتشار التعليم والإعلام لبناء رأي عام مسانداً لتحرّر المرأة ومشاركتها في الحياة المهنية.

ومعلوم أن النساء المتعلمات يشغلن وظائف حكومية اليوم في مختلف القطاعات إلى جانب الرجال، حيث بلغت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان 22%.
وفي المدينة، تحوّلت العلاقة بين النساء من عصبية اجتماعية قائمة على الولاء العرقي لمجموعة واحدة إلى علاقة قائمة على المصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة ولا شكّ أنّ عمل المرأة أثار في البداية الكثير من الانتقادات في وسط اجتماعي متدين ومحافظ قبل أن يلقى مع مرور الأيام ، القبول الاجتماعي. ولعلّ هذا ما شجّع الكثيرات على المضي قدماً في اقتحام مجالات أبعد بكثير. فدخلن قطاع الجيش والشرطة والأمن والحماية المدنية، فضلاً عن القضاء والإعلام والتعليم والصحة والخدمات. يأتي قطاع المال في صدارة الحضور النسائي في القطاعات الحكومية بـ27.78%، يليها قطاع التقنيات والتكوين المهني بـ15.08%، بحسب آخر التقديرات الرسمية، وتعمل الحكومة، من خلال وزارة الشؤون الاجتماعية، على تعزيز هذه المكتسبات بفضل دعم المشاريع المدرّة للدخل، على النساء الأكثر فقراً، وتفعيل التمييز الإيجابي لمصلحة المرأة، ورفع نسبة المنح الدراسية المخصصة للطالبات من 2.5% إلى 6.05% علاوة على المساواة في سن التقاعد بين الجنسين، من بين حزمة إجراءات أخرى

هذا و يعتبر واقع الفئة المتعلمة من السيدات أفضل جداً من واقع فئة أخرى من بنات الريف اللواتي حرمن التعليم والتكوين نتيجة انتمائهن لفئات اجتماعية مهمشة. حيث تنهض أمهات العائلات الفقيرة، في الغالب، بمسؤولية أسر بأكملها، ويعملن في ظروف صعبة وقاسية حيث الفقر والأمية والتفكك الأسري
ويمكن القول إن المرأة الموريتانية لم تصل بعدُ للمكانة التي تستحق لأسباب عدة. ولكن مع ذلك، هنالك محاولات شجاعة ونساء ناجحات لهن بصمة مميزة في الساحة، وقد فرضن أنفسهن بقوة”.

فلم تعد المرأة مجرّد جزء من ديكور البيت، أو عضو مشلول في المجتمع بفعل التقاليد والأعراف، بل أصبحت فاعلة وناشطة على المستويات كافة. ومع أن التفاوت كبير بين طبيعة الأعمال التي تمارسها المرأة في موريتانيا، تبعاً لمكانتها ومركزها الاجتماعي ومستواها التعليمي، فإن خيطاً واحداً يجمع هذه المهن، هو البحث عن تحقيق الذات وتغيير الصورة النمطية التي تحتفظ بها الذاكرة المشتركة عن المرأة. فالنساء الموريتانيات يبحثن عن تحقيق المزيد، وتسجيل نقاط جديدة في مواجهة التقاليد والأعراف، وإلى هذا يشير المثل الشعبي المحلي القائل: “إذا أعطيت المرأة شبراً، فإنها ستأخذ ذراعاً”.

شاهد أيضاً

مرض الحصباء يتسبب حالة وفاة في كيفه

قال المدير الجهوي للعمل الصحي بلعصابه محمد أحمدو عبدي إن مرض الحصباء تسبب في حالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *