أخبار عاجلة

الاستقرار عبر التنمية: قراءة في مسار الإصلاحات الكبرى بموريتانيا

في الأدبيات المعاصرة لعلم الاجتماع السياسي، لم تعد العدالة الاجتماعية تُقرأ بوصفها شعاراً أخلاقياً أو التزاماً سياسياً عابراً، بل أصبحت تُعدّ رأس مال استراتيجياً يُقاس به مدى قدرة الدول على تحقيق الاستقرار، وتعزيز التماسك المجتمعي، ومواجهة الأزمات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، تبدو التجربة الموريتانية، في السنوات الأخيرة، نموذجاً يسعى إلى بناء تنمية أكثر شمولاً، تستند إلى رؤية استراتيجية يقودها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتترجمها حكومة معالي الوزير الأول، السيد المختار ولد اجاي، عبر سياسات عمومية تستهدف الإنسان قبل المكان، وتؤمن بأن الاستقرار الوطني لا يمكن أن يترسخ دون معالجة جذور الإقصاء والهشاشة وتعزيز تكافؤ الفرص.
وقد شهدت موريتانيا تحولاً نوعياً في فلسفة الحماية الاجتماعية، حيث انتقلت من منطق الإغاثة الظرفية إلى مقاربة تقوم على التمكين والاستدامة. وأسهم السجل الاجتماعي الموحد وبرامج التحويلات النقدية الموجهة، التي تنفذها المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر”، في إيصال الدعم إلى مستحقيه بكفاءة أكبر، بما عزز الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفئات الهشة، وقلّص من مظاهر التفاوت، ورسخ مفهوماً أكثر عدالة للحماية الاجتماعية.
وفي موازاة ذلك، فرض الامتداد الجغرافي الواسع لموريتانيا تحديات تنموية كبيرة، غير أن الاستثمار المكثف في البنية التحتية الطرقية أسهم في فك العزلة عن العديد من المناطق، وربطها بمراكز النشاط الاقتصادي والخدمي، مما عزز حركة الأشخاص والبضائع، وخلق فرصاً جديدة للاستثمار والإنتاج، وساهم في تقليص الفوارق التنموية بين مختلف الجهات، بما جعل البنية التحتية إحدى أهم أدوات تعزيز الوحدة الوطنية والاندماج المجالي.
كما يشكل الحق في الصحة أحد أهم مرتكزات العدالة الاجتماعية، وقد شهد القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة خطوات مهمة تمثلت في توسيع البنية التحتية الصحية، وتعزيز قدرات المؤسسات الاستشفائية، وتحسين الولوج إلى الخدمات العلاجية في مختلف الولايات، بما خفف معاناة المواطنين وقلل من أعباء التنقل والعلاج. ولم يقتصر الإصلاح على الخدمات، بل امتد إلى تعزيز السيادة الصحية، وكان من أبرز معالمه التوجه نحو تصنيع بعض الأدوية محلياً، وهو خيار استراتيجي من شأنه دعم الأمن الدوائي، وتقليل التبعية للأسواق الخارجية، وضمان توفير الأدوية الأساسية بجودة مناسبة وأسعار أكثر ملاءمة، بما يعكس تطوراً نوعياً في رؤية الدولة لهذا القطاع الحيوي.
وفي مجال الخدمات الأساسية، شكلت مشاريع المياه الكبرى وتوسعة شبكات التوزيع وإنجاز منشآت الصرف الصحي استجابة عملية لتأمين حق المواطنين في مياه الشرب والبيئة السليمة، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة، بما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة التي تجعل من جودة الحياة والولوج العادل إلى الخدمات الأساسية معياراً لنجاح السياسات العمومية.
كما أولت الدولة اهتماماً متزايداً بقطاع الزراعة، إدراكاً منها أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح أحد مرتكزات السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق، اتجهت الإصلاحات إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار الزراعي، ومواكبة المزارعين، وتطوير وسائل الإنتاج، سعياً إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي والحد من التبعية للأسواق الخارجية في ظل التقلبات العالمية.
وفي السياق ذاته، برز الاهتمام بالحوكمة الحضرية وتعزيز الثقافة المدنية من خلال الحملات الوطنية للنظافة والعناية بالفضاءات العامة، باعتبارها مؤشراً على جودة الإدارة المحلية ومستوى الوعي المجتمعي، وتجسيداً لفكرة أن الحفاظ على المجال العام مسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن.
ولا تكتمل أي عملية تنموية دون الاستثمار في الإنسان وقيمه، لذلك ظل ترسيخ قيم التسامح والتكافل والإخاء والاعتدال واحترام التنوع يمثل ركيزة أساسية في تعزيز اللحمة الوطنية، وصيانة المجتمع من خطابات الكراهية والتطرف، بما يجعل الإنسان الموريتاني محور التنمية وغايتها.
إن هذه الإصلاحات، على اختلاف مجالاتها، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مشاريع متفرقة أو إنجازات معزولة، بل هي مكونات لرؤية تنموية متكاملة تسعى إلى بناء دولة أكثر عدالة وتوازناً، يكون فيها النمو الاقتصادي مقروناً بالإنصاف الاجتماعي، والاستثمار في البنية التحتية مكملاً للاستثمار في الإنسان.
ورغم أن مسيرة التنمية تظل بطبيعتها عملية مستمرة تحتاج إلى مزيد من الجهد والتطوير، فإن ما تحقق حتى الآن يعكس تقدماً ملموساً في عدد من القطاعات الحيوية، ويؤكد أن الخيار الذي تبنته الدولة، بقيادة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وتنفذه حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي، والقائم على توسيع الحماية الاجتماعية، وتعزيز البنية التحتية، وترسيخ السيادة الصحية والغذائية، يمثل مساراً واعداً نحو بناء موريتانيا أكثر استقراراً وتماسكاً وازدهاراً.

المهندس محمد ولد سيد محمد ولد الداه ( حماده)

شاهد أيضاً

الحسين ولد مدو.. حين أُسند القوس إلى باريها

يوم تعيين الدكتور الحسين ولد مدو على رأس وزارة الثقافة، قلنا حينها: “لقد أُسند القوس …