السفينة المخروقة / بقلم د. الشيخ المختار ولد حرمة نحن والمسار الحانوتيّ (الحلقة الرابعة)

23qpt951-5655b

وددت لو أن هذا المقال تناول أهم حدث وطني عرفته موريتانيا منذ نشأتها بل العالم العربي برمته : التخلي الطوعي لرئيس الدولة عن سدة الحكم.

وددت لو أن هذا المقال كان يمتدح ويمجد ويثمن قرار ولد عبد العزيز و إعلانه التنحي عن السلطة و عدم إعادة الترشح، و السهر على انتخابات نزيهة و شفافة حفاظا على بيضة الوطن و تغليبا لمصلحته العامة و العليا و توبة نصوحا، تكفيرا عن الفرطات و التفريط و خروجا مشرفا و عاصما من الجدل والهرج و الفتن التي ستفضي لا محالة إلى ما لا تحمد عقباه. لكن الرجل لم يفعل شيئا من ذلك و آثر خويصة نفسه، مغلبا عاجلا على آجل و قد أعماه حب السلطة و المراكز النفعية و أصمه شح مطاع و هوى متبع و تزكية نفس أمارة، و لسان حاله كما لسان مقاله يزعق و يقسم جهد أيمانه: “ألا يدخلنها اليوم علينا مسكين”و”لئن أرجعوني لأعملن خيرا من ما كنت أعمل”. “كلا، أيها الشعب! إنها كلمة هو قائلها”، و لئن أرجعتموه لن يعمل غيرا الذي كان يعمل.

أما و الحالة هذه، و قد بلغ الانسداد ذروته و منتهاه و سار الحوار إلى ما سار إليه من ما يعلمه الجميع، فلا مناص من مواصلة “المسار الحانوتي” معذرة إلى الله و لعلهم يتقون وتوعية و ذكرى لشعبنا المظلوم. ثمة ثلاثة مشاهد و صورتان تستحق الوقوف عندها، والتأمل، ثم نداء للشعب الموريتاني الأبي.

المشهد الأول

و يتعلق هذا المشهد بواقع بلدنا.

أعتقد الآن أن الوجه الحقيقي لنظام الجنرال محمد ولد عبد العزيز قد ظهر على حقيقته، إذ استنفد آخر أقنعته، وأصبح أمام شعبه ونخبه السياسي مجرد قرصان يختطف رهينته ويساوم على الزمن، حيث يفرض الجنرال مسرحية انتخابية هو الممثل الوحيد فيها وكاتب السيناريو والكومبارس بل وهو الخشبة ذاتها والديكور السيئ الأقل شاعرية من سوق العاصمة في يوم عاصف.

إن أسباب رفض الرئيس ولد عبد العزيز للحوار وسد و تسييج كامل الطريق بالخطوط الشائكة الحمراء أمام الحوار، ليس مفاجئا لمن يعرفون الرجل، لا الهيئة التي جاء بها، ولا التي يستمر بتسيير البلد عبرها.

يدرك ولد عبد العزيز أن جسر حوار جاد سوف يسمح بجريان المياه من تحته، ولذلك بادر باستخدام الحوار ورقة إلهاء للمعارضة وللرأي العام، وللشركاء الذين باتوا فعلا شركاء في تدمير التجربة الموريتانية، يقايضون بيانات التأييد و التزكية المتملقة مقابل مصالحهم و السماح لشركاتهم ومستثمريهم بنهب ثروات الشعب الفقير.

لا يمكن لولد عبد العزيز الاحتكام إلى انتخابات شفافة بإجراءات توافقية نزيهة، فذلك يعني أن الدواء سيصل دم المريض، ويقضي على الوباء، الذي هو التسيير الفردي الحانوتي للدولة، ومن ضمنه عملية التحكم بمخارج أصوات الشعب، للإيهام أن أنين الناس بالألم هو زغردات فرح و تأييد.

إن الرئيس ولد عبد العزيز لا ينتصر في أي معركة يسابق فيها غيره، وهكذا فهو يخطط لخوض معركة أحادية الجانب، أحادية الشوط ، وإن لم يجد هذه المرة فريق مشجعين في الصف الآخر للملعب، يضفي ولو قليلا من البهرجة والحماس على اللعبة وحيدة اللاعب. هذا السلوك اللاديمقراطي، بل و اللارجولي، هو ما يضمن نجاحه في الشوط الأول من انتخابات هو فيها الحكم والخصم والمصوت.

لا يستطيع المنافسة الشريفة، ولا يستطيع المغامرة بغير انتخابات هو من يملي محاضرها على غرار بلوى المسرحية الهزلية للانتخابات التشريعية الماضية.

أريد منكم الاستعداد للاستماع خلال حملته الانتخابية التي بدأها شهرين قبل أجلها القانوني، لموجة جديدة من أساليب اللعب على عقول المواطنين. فقد تخلى ولد عبد العزيز عن رئاسة الفقراء الذين لم يزدادوا إلا فقرا، وهو الآن يتجه لمغالطة الشباب، وسبيله إلى ذلك هو الوعود البراقة…يعدهم و يمنيهم.

لا تستغربوا أن يقول غدا أي شيء أو يطلق أي شعار.. إن الشعارات كالبالونات سهلة الإطلاق

لا تستغربوا إن تحدث عن 80 مليار في الخزينة.. والأمم المتحدة تعلن عن قرابة مليون مواطن موريتاني مهددين بالمجاعة.. المرعى أخضر… لكن الشاة هزيلة… أما المرضى، ومعاناة الطلاب والمدرسين والعمال المفصولين، و الشغيلة الكادحة للميناء المحرومين من القوت اليومي، وارتفاع الأسعار، وانتشار البطالة الذي لا يماثله إلا انتشار الفساد، وموجة المساس بالمقدسات… فهذه معالجتها مرتبطة بالمستقبل، لا بالنظام الحانوتي الحالي. هل سمعتموه يتحدث عن خروج موريتانيا من صف الدول الأكثر فقرا في العالم.. ابحثوا إذن عن موريتانيا في البرزخ. فقد خرجت في ظله الحارق عن مقاييس صفة الدول.. أصبحت للأسف تنتمي لأنظمة العصابات وتتاجر بكل شيء حتى بيع المستجيرين. والعياذ بالله.

يتندر بعض الخاصة المطلعين أن محاضر التصويت في الانتخابات المقررة يومي 20 و21 يونيو القادم، قد أعدت وتم توقيعها قبل أشهر.. ولِم التأخر في توقيعها ما دامت اللجنة الحالية للانتخابات هي من كانت تتلقى الأرقام من خلية القصر الرئاسي، في مهزلة التشريعيات الماضية.

كنا في المعارضة ندرك تمام الإدراك و نراهن أن الدعوة للحوار لن تتجاوز ظاهرتها الصوتية، وأن التنازل عن أبسط شروط الشفافية والنزاهة الانتخابية من طرف النظام مجرد وهم على وهم. أما الذين راهنو لحسن نيتهم، أن الشوك سوف يخيط الجرح، لم يكن رهانهم في محله، فلم يكن هناك غير سكاكين صدئة. هكذا اتسع الخرق.. واستحال الجمع بين الرؤية والواقع، بين الواقع و المتوقع، بين الحلم والكابوس.

إنني أشفق على البعض من الطرح الذي يروجون له، وهو أن الانتخابات الفردية لن تحل الأزمة السياسية.. إن الأزمة السياسية لم تعد أولوية بالنسبة للدولة الموريتانية، بل الكيان ذاته، الذي أطلقت فيه لأول مرة يد التفرقة الاجتماعية الشرائحية القاتلة..

لأول مرة في تاريخ الدولة الموريتانية، يشرف رئيس الدولة شخصيا على تمييز شرائح مجتمعه وتفرقتها شيعا رهيبة، لا يمكن أن تنصف المظلوم أو المسترق أو المضطهد، أو المهمش، ولا أن تعيد حقا لأي شريحة أو فئة أو فرد.. لأن محاصصة السياسة والمكاسب، إن وجدت، على أساس الفئة أو الشريحة أو اللون هي عملية قاتلة للدولة وللمجتمع، وبالتأكيد فإن بذور نتيجتها السلبية ستزهر أسرع مما يتخوف أي صديق أو يتمنى أي عدو.

كيف تسمح روح الإسلام و مبادئ الجمهورية و سيادة الدولة لرئيس بفتح قصر الرئاسة لاستقبال ممثلي الشرائح باسم شرائحهم.

كيف يستجدي رئيس الدولة لقاء قادة “لا تلمس جنسيتي، المنظمة المتطرفة التي تدار بأيدي صهيونية على غرار “إيرا”، و”أفلام، وغيرها من منظمات استباحت الأعراض والأموال، و المقدسات وحرقت العلم الموريتاني، ورموز سيادة الدولة، وتغنت بالانفصال، والتنكر لهوية البلد، ودبجت فضاء الانترنيت والساحات وصفحات تقارير المنظمات الدولية بكل المساوئ عن موريتانيا الحضارة والإنسان. ماذا يعد له هؤلاء غير تأسيس الشريحة، التي ستنفصل غدا خلايا سرطانية لا ترحم حتى الفئات التي تدعي الدفاع عن حقوقها.. إذ كيف تبدأ ذلك الدفاع بالهجوم المركز على كل ما له صلة بالهوية العربية والدينية، تحت غطاء الحرب على تقاليد وعادات اجتماعية لدى بعض شريحتها الأوسع. إن داء الطائفية أعجز كل الدول التي سمحت باستشرائه في أوصال مجتمعها، حتى مجتمع الثقافة والمعرفة في لبنان كنموذج.

لا يفاجئنكم غدا الترخيص ل”مسيرة لمعلمين”، ثم “مسيرة الطلبة” و”مسيرة طليبه” و”مسيرة الزوايا” و”مسيرة العرب” و”مسيرة اللحمةو”مسيرة البربر”.. وهلم جرا.

هذا السلوك الغريب الذي ينتهجه رأس النظام إن دل على شيء فإنما يدل على عدم قدرة الرجل على التسيير المحكم و الرشيد للشأن العام، و الاعتراف الصريح بغياب الدولة. إن غياب الدولة هذا و قصورها عن الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى و عجزها عن مواجهتها و إيجاد الحلول المناسبة و الشافية لها و إيفاء كل ذي حق حقه تحت سلطان المواطنة و دولة القانون هو الذي يولد شعور الغبن و الظلم لدى المواطن و يفضي به إلى الانطواء الفئوي أو الشرائحي أو القبلي بحثا عن ملاذ، و سند عوضا عن دولته المفقودة العاجزة عن انصافه. هذا ما يحس به إخوتنا الحراطنين المظلومين المقصيين على مدى القرون و يحس به كذلك بعض إخوتنا العائدين من التهجير.

علينا النظر إلى أن الرئيس الذي ظل ينكر العبودية والدوافع الأخرى الظاهرة للحراك الفئوي الجاري، وكان يتحدث أن مدعيه يعيشون الأوهام، هو من يشرع اليوم، لحاجة في نفسه، الفئوية لأنه جُنِد، وللأسف، من طرف نفس المشرفين الذين وقفوا وراء خلق وتمويل حركات الانفصال الاجتماعي المزدهرة.

يرتبط هذا التحول في سلوك الرئيس، بحدث أقوى منه، وقد ظهر رأس جبل الجليد، عندما قام ولد عبد العزيز بإعادة الثقة كاملة في حفنة رموز التطبيع، وخاصة منهم أولئك الذين عاشوا في “تل آبيب“.

ما الذي جاء بهؤلاء من واقعهم رموزا لأسوأ علاقة دبلوماسية في تاريخ الشعب الموريتاني، إلى واجهة الحكم والقرار، حيث زُرعوا بعناية في قطاعات الدولة الحساسة، الخارجية، والتعليم، وقناة تصريف كل أعمال وأسرار الدولة، أي الأمانة العامة للحكومة. الموريتانيون مجمعون على أن هذا الإجراء ليس بريئا و أن وراء الأكمة ما وراءها من ما الأيام كفيلة بفضحه. فما الذي حدث حتى وجدت إسرائيل نقطة الضعف و الثغرة المناسبة لإملاء شروطها، سعيا لتمزيق المجتمع الموريتاني تمهيدا للأسوأ: تفتيت كيان الدولة، التي استمرت طيلة الخمسينية الماضية على استقلالها متوكئة على نقطة قوة واحدة. هي وحدة المجتمع وسلميته.

وكخلاصة لهذا المشهد لا بأس أن نعيد القول إن المطالبة اليوم بحل الأزمة السياسية أمر في حدود الغباء التام، إن ذلك يشبه رمي البذور بين ألسنة النار. بدلا من ذلك يجب أن نخطط لانتشال كيان الدولة من هاوية الجحيم التي تتجه إليها.

ملاخظة:

استشهد أحد النواب البرلمانيين أثناء جلسة برلمانية بحضور السيد الوزير الأول بأحد مقالاتي أيام الغباء والغفلة. و أنا أستشهد بهذين البيتين لأحد شعرائنا: شهدت ليحيى بالسماع شهادة *** تبيــن فـيهــا أنـي كــاذب و الــيوم أشهدكــم و الله يعلم *** أني من تلك الشهادة تائب.

المشهد الثاني

أما المشهد الثاني، في هذا الموضوع، فهو رفض الرئيس مسعود ولد بلخير المشاركة في مسرحية الانتخابات المرتقبة. إن ذلك مؤشر قوي على بدء تحلل الدعامات التي ظل ولد عبد العزيز يبني عليها نمطه “التعددي”، فطيبة النفس والخدمة التي قدمها هؤلاء لم تشفع لهم في الحصول من الشريك على أبسط واجهة ديمقراطية صورية تمكنهم من عقد الآمال على التطور التدريجي. والحقيقة أنهم مصيبون في ذلك.

وأبعد من ذلك بدأ تيار يتشكل داخل الوسط المباشر لرئيس الدولة وحزبه، وقناعة ذلك التيار أن السفينة باتت منزوعة الدفة، وليس لها هدف ولا اتجاه، وأنها حتما ستتحطم على أول حاجز. إن النظام لبلادته السياسية زاد الخروق في السفينة بحثا عن توازنها بنزول المزيد من المياه إلى جوفها..!

إن الرئيس مسعود ولد بلخير، سواء أخطأ أو أصاب لا تمكن المساومة أحرى الطعن في صدقه وسلامة نواياه طيلة مسيرته النضالية السياسية. إن المطلوب منه الآن هو العودة لسربه، في قواعد المعارضة التاريخية، ليس لقوة هذه المعارضة، أو احتمالات تأثيرها في طوفان الواقع الجارف لكل خير، وإنما في وضع تصور استراتيجي يجنب البلاد ما أمكن من مخاطر الزلازل العنيفة المرتقبة.هذا هو المطلوب من الرئيس مسعود، وهو رمز كبير، وقادر على العطاء لهذا البلد وهذا الشعب بدون حدود.

أثمن عاليا قرار النقيب الأستاذ ولد بوحبين سحب مشاركته في المهزلة الانتخابية و الأمل معقود عل الرئيس بيجل ولد هميد في مراجعة نفسه و موقفه، و قد عرفناه صاحب مبادئ و مواقف سليمة و شجاعة. فما الذي يهدف له و يراهن عليه بالمشاركة في هذه المهزلة التي لن يجني منها سوى وصمة عار ستدنسه و تنفي عنه كل مصداقية و ستقوض و ترهن بلا رجعة مصيره السياسي. و ليكن على أتم يقين أن ولد عبد العزيز سيتنكر له كما تنكر لكل من أسدوا إليه معروفا.

إن قراءة في التاريخ تعطينا أمثلة رائعة للمعارضات التي هيأت أطواق نجاة لمجتمعاتها في اللحظة المناسبة، لا تلك التي ركبت الموجة على غرار ما حدث في سوريا، واليمن، والسودان، والعراق، و ليبيا وأخيرا الدولة الكبيرة أوكرانيا التي تتفتت على مرأى ومسمع من شعبها والعالم، إذ جاءت حركة المعارضة التاريخية في أسوأ توقيت ممكن، وبأغبى أسلوب محتمل.

المشهد الثالث

المشهد الثالث، الذي يستحق الوقوف عنده، هو خروج المناضل التاريخي، الأخ العزيز والصديق محمد يحظيه ولد بريد الليل ببيان “الرأي السياسي”. و قد كنى ب”المجهول” عن “حريق حانوت الدويرة”. لا شك أن بيان الرأي السياسي”، كان الأكثر موضوعية على الإطلاق فيما نشر عن الوضع السياسي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة. وفعلا كما قيل “بدأ الربابنة يقفزون من السفينة”، وهم يعرفون أين يقفزون ومتى يقفزون، إذ لا معنى للتشبث بسفينة غارقة لا محالة تبحر مبتعدة عن شواطئ النجاة والسلامة.

إنها بشارة إلى “المجتمع العميق”، الذي لا تزله منفعة آنية، ولا تخيفه مراوح “دونكشيوت” لأنه يعرف طريقه إلى الخلاص، ولا تغريه الحفلة الراقصة على السفينة المخروقة، والتي لا مصير لها إلا أعماق مزبلة التاريخ.

إن “النخبة العميقة” هي وحدها القادرة على إعادة قاطرة الوطن إلى السكة الصحيحة، وإن هذه النخبة مدعوة للتشاور ودراسة سبل إخراج البلاد من الوحل الذي تتخبط فيه، فلا يمكن لشعبنا أن يظل إلى الأبد رهينة دوامة من أحكام معاول الهدم والتفرقة والتشرذم، أحرى الآن ونحن نسير إلى الأسفل في سفح الهاوية.

لقد اقترب الخلاص أكثر من أي وقت مضى بفضل السواعد التي نذرت نفسها للنضال والتخطيط من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة والعيش الكريم لكل مواطن ومواطنة، و بفضل الحناجر الرافعة صوتها عاليا لرفض “تأميم القرار الانتخابي”، و رفض الأحكام الأحادية، رفض الأساليب الحانوتية لتسيير الدولة، رفض الديمقراطية الإسمية الزائفة، رفض تجويع الوطن، وإفلاسه، وحرقه، ونثر أشلائه في بحر الطين الملوث بالرذيلة. ولأن الله يمهل ولا يهمل، فإن هذا النظام، وقد أكمل استبداده وهيمنته، مستسلم في هذه الظرفية لـ”تمام نعمته”… و الشيء إذا بلغ الحد انتهىغير أن ما لا يدركه أن الكأس ملأها سم زعاف، وأن ما يراه ليس سوى ابتسامة البركان.

الصورتان:

الصورة الأولى: نحن في عام 2019. البلد ما يزال يرزح تحت القبضة الحديدية للحكم العسكري . ولد عبد العزيز بعد لعبة و تلاعب بالدستور يعلن ترشحه لولاية ثالثة. لا شيء تغير. البلاد تسير في الهاوية نفسها..المواطن ازداد فقرا و شقاء و هو الآن يئن في الدرك الأسفل من البؤس تحت الخط السحيق و الوطأة الطاحنة للفقر المقدع. المجاعة و الأمراض و الجريمة تحصد الأرواح البريئة. البطالة منتشرة انتشار الرذيلة.

الصورة الثانية: نحن في عام 2015بعد انتفاضة شعبية سلمية مباركة حدث التغيير الذي رمى بالأحكام الاستبدادية الفاسدة في مزبلة الإهمال و العار. الحكم المدني المنبثق من الإرادة الشعبية يحكم البلاد. المواطن يجني ثمار نهضته. عاد الأمل للنفوس العطشة التي طالما أقعدها اليأس. زال البؤس و الشقاء . زال وعثاء الحرمان وعناء السنين العجاف كسنين آل فرعون.

أنتم أيها المواطنون من تختارون أي هذين المصيرين تريدون…إن الله لن يغير ما بكم ما لم تغيروا ما بأنفسكم. فلم تتخاذلون؟ و لم تخافون ومن ما تخافون؟ البلد بلدكم و الخيرات خيراتكم و المصير مصيركم و الأمر إليكم. اعزمو و ازعموا و اقدموا و اصمدوا و أخلصوا لله و للوطن، فإن أخلصتم فإن الله معكم و لن يترك أعمالكم. الخطاب موجه بالدرجة الأولى إلى شبابنا الطيب، الضحية الأولى للأحكام الفاسدة، ضحية عقود الضياع و الإهمال. الشباب، رأس حربة كل نماء. الخير كله في الشباب و لا خير في أمة تهمل و تتهاون بشبابها.

الرسالة

أود في هذه الظرفية العصيبة، ألتوجه إلى الشعب الموريتاني العظيم، بمختلف نخبه، ومواقعه، في مختلف أنحاء الوطن، بنداء صادق، لوجه الله و معذرة إليه، وإخلاصا للوطن، وأقول: إنه حان العمل من أجل إنقاذ البلاد والعباد من الشر المستطير المحدق بالجميع من دون استثناء. وإن ذلك يكون بالانسحاب من دائرة التفرج و الاستسلام والانتظار و المداهنة، إلى دائرة الفعل والـتأثير عبر عمل سياسي سلمي، واع و مثمر، و الانصهار كل من موقعه في بوتقة واحدة، لا يستثني المرأة في بيتها، و لا الطبيب في مشفاه و عيادته و لا المعلم في فصله، و لا الطالب في صفه، ولا المزارع في حقله، ولا الصحفي في صحيفته، ولا الموظف في دائرته، ولا الضابط في وحدته، ولا الزعيم السياسي في حزبه، متشبثين يطرح واقعي غير انتقامي و لا رجعي يمسك العصا من وسطها. ولتبدأ حركة وعي مدني تآزر النخب التي ترسم المستقبل خروجا من هذا النفق المظلم، نفق حكم الاستبداد، والفئوية، والقبلية، والشرائحية والجهوية المقيتة القاتلة للدول و الأوطان. إن في هذا الوطن لرجالا يزنون الجبال.. وأني لريح أن تهزهم يقينهم بالتغيير. إلى أولئك أقول بكل صراحة، إن الطوفان عمّ، وإني لأعرف فيكم من الشجعان المضحين في سبيل وطنهم وشعبهم، ما يطمأنني إلى مساهمتكم المضمونة في صنع طوق النجاة.

حفظ الله موريتانيا.

يتابع

بقلم/ الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد ببانا

 

شاهد أيضاً

حادث سير أليم خلف قتيل و جريحين

الإعلامي أفادت مصادر محلية أن حادث سير وقع مساء اليوم الأربعاء على طريق أكجوجتأطار قرب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *