سلاح السخرية

350 (1)

ألقى الرئيس الأميركي، باراك أوباما، خطبة الوداع في جمع من نجوم الصحافة والسياسة والسينما في البيت الأبيض، الأسبوع الماضي، وودّع نخبة المجتمع في واشنطن على إيقاع السخرية، حتى من الرئيس نفسه. ليس أوباما ابن المؤسسة التقليدية للسياسة الأميركية، لكن بصماته ستبقى طويلاً في تاريخ الرئاسيات في بلاد العم سام، باعتباره غيّر خريطة التحالفات التقليدية لواشنطن في الشرق الأوسط، وسحب جيوش بلاده من العراق وأفغانستان، ورفض دخول حرب جديدة، سواء ضد بشار الأسد في سورية أو أبو بكر البغدادي في الموصل، ووضع بلاده على سكة سياسة انعزالية جديدة.
ماذا قالت البطة العرجاء في وداع صنّاع الرأي في أميركا (تعبير يطلق في واشنطن على الرئيس في سنته الأخيرة)؟ وظف مواهبه في الخطابة والتمثيل، ليسخر من خصومه وأصدقائه، حتى أنه سخر من نفسه، فقال: دخلت إلى البيت الأبيض، وأنا مفعمٌ بالمثاليات، وخرجت وشعري الذي كان أسود صار رمادياً، هذا وحده الذي تغير من دون جدال… وعن فقدانه، كرئيس للولايات المتحدة، سلطة التاثير في الشهور الأخيرة من ولايته الثانية، قال أوباما: في السنة الأخيرة من ولايتي، يتطلع الجميع في الداخل والخارج إلى مغادرتي البيت الأبيض، حتى أمراء بريطانيا لم يعودوا يهتمون بي. في زيارتي بريطانيا أخيراً، استقبلني الأمير الصغير ألبير بلباس الحمام.
بعد أن سخر من نفسه، مرّ إلى الموضوع المفضل للسخرية السياسية في أميركا هذه الأيام، المرشح الجمهوري المحتمل المثير للجدل دونالد ترامب، قال عنه أوباما: نفتقد ترامب هذه الليلة، دعوناه للحفل، لكنه اعتذر في آخر لحظة، ماذا دهاه؟ ولماذا يغيب عن حفل يحضره 300 صحافي؟ هل فقرات الحفل لا تلائم ذوقه؟ هل الحفل دون مستواه؟ ماذا يفعل الآن في بيته، هل يأكل شطيرة لحم “ستيك ترامب” ويغرّد على “تويتر” ويسبّ أنجيلا ميركل؟
وتعالت الضحكات أكثر عندما قال أوباما: يقولون إن ترامب يفتقر للخبرة اللازمة في السياسة الخارجية، ليصير رئيساً. لكنه، للإنصاف، أمضى سنوات من عمره في لقاءات مع زعماء من العالم، التقى مع ملكات جمال السويد والأرجنتين وأذربيجان… مشيرا إلى منافسات ملكة جمال الكون التي كان ترامب سابقاً أحد مموليها.
السخرية أقرب طريق للوصول إلى عقل الجمهور وقلبه، هي مثل الملح في الطعام. كنت السنة الماضية في الدنمارك، للمشاركة في احتفالات هذا البلد بمرور مائة سنة على إعطاء المرأة حق المشاركة السياسية. توجهنا في ختام الحفل، إلى مقر البرلمان، للاستماع إلى كلمة الملكة مارغريت الثانية (76سنة) بالمناسبة، ففوجئنا، نحن القادمين من بلادٍ لا تقاليد لها في السخرية من السياسة، بالملكة تسخر من جدّها الملك كرستيان العاشر، الذي جاءه وفد من الدنماركيات إلى القصر، ليشكرنه على توقيع قانون يسمح للمرأة بالتصويت في الانتخابات. تحكي الملكة أنه كان متضايقاً من الحكاية كلها، وأن رئيسة الوفد النسائي أطالت في الكلام، وهي تشكر الملك، وتنقل له مشاعر مواطنيه من النساء. وفجأة قاطعها، بحضور الجميع، قال لها: هذا يكفي، أيتها النساء، هذا وقت إعداد الطعام لأزواجكن. اذهبن إلى بيوتكن، ولا تضيعن الوقت في الخطب. .. ضحك من كانوا في قاعة البرلمان من تهكّم الملكة على جدّها الذي لم يبلع مشاركة النساء في الحياة السياسية، وهو الذي صدر القانون بتوقيعه، وكانت المرأة في عقله حبيسة المطبخ لم تخرج منه بعد.
في البرلمان البريطاني حكايات كثيرة عن سخرية السياسيين من بعضهم، وحتى عن قلة أدب بعضهم. قال زعيم المعارضة، بنجامين دزرائيلي، في مجلس العموم، إن نصف الحكومة حمير، فاحتج أعضاء الحكومة، فقال: أعتذر عما قلت، نصف الحكومة ليسوا حميراً. فضحك الجميع وواصل المجلس عمله.
السخرية في السياسة مفيدة من جهتين. تساعد، أولاً، على التواصل غير التقليدي وتمرير الرسائل في قالب مضحك وخفيف، بحيث يسهل التنصل من مضمون الرسائل في حالة حدوث مشكلة ما. وثانياً، تزيل السخرية في السياسة هيبة السلطة الكاذبة والهيلمان المزعوم لرجالها ونسائها، فيصير الملك والرئيس والوزير والشرطي والبرلماني موضوعاً للنقد والضحك. 

العربي 

شاهد أيضاً

مرض الحصباء يتسبب حالة وفاة في كيفه

قال المدير الجهوي للعمل الصحي بلعصابه محمد أحمدو عبدي إن مرض الحصباء تسبب في حالة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *