أزمة التخلف

babeeee

يمكن تفسير وضع التخلف الاجتماعي المتجسد في كافة النواحي الاقتصادية والثقافية والدينية بعدة أمور منها ما هو متوارث عبر الأجيال بسبب مخلفات السيبة وأرضها وما تركت على جبين الدولة الناشئة وشعبها من عقلية بدائية عجزت على مرّ العصور على أن تفهم العصر أحرى أن تتماشى معه في نفس الاتجاه، وقد يدخل في ذلك ولادة الدولة من فراغ حيث أنه لم يكن هناك جهاز سلطوي مركزي قائم بذاته قبل انبثاق الدولة الموريتانية من مخططات الاستعمار الفرنسي ،ولستُ هنا بصدد سرد نظريات التخلف وما ترمي إليه من توزيع الموضوع إلى أجزاء ، جزء منها يفسر الاستمرار والآخر يفسر كيف يكون التقدم ، وإنما الأمر يتعلق بقراءة الواقع الاجتماعي للمجتمع الموريتاني وسرد العوامل المتحكمة في الموضوع ومحاولة مناقشتها في دائرة التخصص، ومن المعروف أن الدراسات العلمية والتجارب الانسانية ترى أن التخلف الاجتماعي يتحدد عبر عدة معايير: كمعيار وضعية ومستوى التعليم في المجتمع، ومعيار مستوى تغذية أفراده، ثم معيار حالة الفقر ومستوياته، ومعيار الحالة الصحية لأفراد المجتمع، وهناك معيار يضعه العلم في أولوية المعايير الدالة على التخلف الاجتماعي من عدمه، ويكتسب هذا المعيار أهمية خاصة، وهو بالتحديد متوسط دخل الفرد في هذا المجتمع في العام الواحد .

وإذا ما نظرنا إلى هذه العوامل في واقعنا الاجتماعي وجدنا أنها تتواجد كلها بنسب مرتفعة وتشكل في معظمها وضع التخلف والعقلية المنحطة لمجتمعنا
ويمكن من أجل تفسير ذلك والبحث عن جذوره التركيز على عدة عوامل منها

ـ الإرث الاجتماعي للمنطقة وما خلفته عوارض السيبة التي مرت بها البلاد فترة زمنية طوليه ، انعدمت فيها المصلحة العامة وصار كل فريق يريد المجد لنفسه على حساب الآخر ، مما دفع الآنتربولوجين بتفسير الأوضاع الاجتماعية بالنظرية الانقسامية والمتجسدة في الواقع الاجتماعي في تلك الفترة والتي لا يكمن قراءة الواقع من دونها، وقد فرضت تلك الظروف على المجتمعات المحركة لهذه البيئة أوضاعا وأنماطا من الحياة لا زالت أعراضها تتوارث إلى حد الساعة ، وهذا العامل هو المتحكم في عقلية الترف وحب المصلحة الخاصة دون العامة في مجتمعنا وأزمة القيم المدنية الغربية عنا والتي توحي بالتعاضد والتكامل بدل التنافر والتناحر من أجل المصلحة العامة ، كما أن عدم خضوع المنطقة لسلطة مركزية تجمع الكيان الاجتماعي تحت سلطة واحدة ساهم في تفاقم ثقافة السيبة

ـ العقلية البدائية المترفعة : والتي سادت في هذا المجتمع ولازال يشكو منها إلى حد الساعة ، وتتمثل في الترفع عن العمل واحتقاره وجعل العاملين في المجال الزراعي والرعوي والصناعي في أسفل الهرم الاجتماعي ، ويدخل في ذلك الزيّ الذي لا يتماشى بوضعية الجد والعمل والذي يفوق مرحلة التخلف القائمة في مجتمعنا درجات علما بأن الدولة أو الأمة في طريقها للنمو تسير عبر مراحل وقد عبر عنها ابن خلدون ، مرحلة البداوة ، ومرحلة التوسع ومرحلة التحضر ، ثم مرحلة الترف ، الذي يتماشى مع زينا مع العلم أننا لم نعبر بعد المرحلة الأولى وهذا تناقض في حد ذاته

ـ وبين هذا وذاك أتت العولمة لتحرك عقولا جامدة لا تعرف إلا الخيمة والصحراء والإبل والنوق وحياة السلب والنهب وتصب في مجاري ثقافتها آفاقا من الانفتاح لم تعهدها من قبل ولا تتماشى مع أوضاعها ، فكانت النتيجة تبني السياسية والايديلوجية القادمة وهجر الخصوصية المحلية وما تتميز به من ثقافة وإبداع ، علما بأنه في المجال الصناعي استطاعت شريحة – لمعلمين – أن تخترع ما يتناسب مع البيئة الصحراوية من الآلات والأدوات اللازمة وغير اللازمة لتجسد بذلك عقلية اجتماعية قادرة على الاختراع والإبداع ، لكن الدولة ونتيجة لعدم ثقتها في كل ما هو محلي أهملت ذلك واتجهت إلى المجهول تحاكي المستعمر الذي كان هدفه هدم الخصوصية وبناء أخرى بديلة عنها مستوردة ، فلو أنها طورت تلك الإبداعات وساندتها لكنا دولة مصنعة وشبه ذلك ، ولو أنها لم تقلد الغرب في كل صغيرة وكبيرة لما ظهر ما ظهر من فساد إداري وانحلال أخلاقي ورؤى مبعثرة بين الخطوات وأحلام لا تبصر إلا نفسها ، فقدت شنقيط نتيجة لذلك وجهها القديم الذي كان ورغم ما يزخر به من تشتت وانشطار له وجه ينضج بالعلم والمعرفة وياحفظ على بعض القيم الإسلامية التي ضاعت في عهدنا ذالك و راجع إلى هذا التقليد الأعمى الذي تبنته الدولة عند نشوءها لفرنسا وما استطاعت أن تؤثر به على العقلية الاجتماعية فالشعوب البدائية من الصعب أن تنتظم في إطار قانون إداري غير مبني على مرجعية دينية واضحة يخضع لها اللاشعور الجمعي ، فالتنظيم الإداري يفرض نفسه عليها بفعل القوة لا الاقتناع .

باب ولد سيد أحمد لعلي : باحث اجتماعي

شاهد أيضاً

غزواني يتعهد من كيفه للمتقاعدين

قال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إنه سيعمل خلال المأمورية الثانية على تحسين ظروف العمال؛ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *