وقفة مع “افلام” و “إيرا” / سيدي علي بلعمش

sidi-ali-483x250

تمتد أراضي “المور” التي يشتق منها اسم موريتانيا اليوم، من شواطئ المحيط الأطلسي غربا إلى أجزاء من ليبيا شرقا (وادي مولوكا) إلى غرب الجزائر شمالا (مدينة “أيول” عاصمة موريتانيا القديمة) حيث مدفن ملك موريتانيا يوبا الثاني و زوجته سيلينا ابنة كليوباترا ملكة مصر، المعروفة أكثر بكليوباترا الثانية ، في مدينة “تيبازة” الساحلية (70 كلم غرب العاصمة الجزائر) الذي يعد اليوم من أهم المعالم السياحية و المعمارية الأثرية في الجزائر. و قد تزوج ملك موريتانيا يوبا الثاني ابنة ملكة مصر سيلينا لعظمته و شجاعته حيث كان أهم حليف لملكة مصر في المنطقة.
وقد ذكر تاريخ “المور” في المنطقة في الكثير من المناسبات منذ نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، حيث تمت الإشارة إليهم في حملة القرطاجيين ضد الإغريق في صقلية عام 406 قبل الميلاد و تم الحديث عنهم في محاولة الغزو الروماني لشمال إفريقيا عام 256 قبل الميلاد و في الحرب البونية الثانية حيث ذكروا ضمن جيش هانيبال في معركة
زاما. و أشار إليهم المؤرخ اللاتيني سالوست) عند حديثه عن السكان الأوائل
لإفريقيا). و ذكرهم المؤرخ البيزنطي(بروكوبيوس) في كتابه “العمائر” عند حديثه عن
تغلب “المور” على الوندال واستيلائهم على مدينة لبدة الكبرى.
و يرجع أصل هذا الاسم (موريتانيا) و يعني “أرض الرجال السمر” ، إلى مملكة موريتانيا الصنهاجية، و صنهاجة هم سكان البلاد الأصليون (قبائل من البربر) و كانوا يحكمون قبل الميلاد كل الشمال الإفريقي. و استوطنوا الصحراء الشنقيطية مع مستهل العهد المسيحي، وتوغلوا فيها إلى أن استكملوا السيطرة عليها خلال العهد المرابطي (القرن 5هـ/ 11هـ) وقد حملت هذا الاسم دولتان في المنطقة هما موريتانيا القيصرية و موريتانيا الطنجية .
و من بين هذه القبائل ـ يقول الكاتب الموريتاني الحسين ولد محنض “… وقبائل إيزگارن قبائل بربرية غلب على بشرتها الاحتراق، فأطلق عليها اليونانيون الذين احتلوا قرطاج قبل مقدم الفينيقيين اسم الاتيوبيين (الحبشيين)، ومعناها عندهم “ذوو البشرة المشتعلة”.
وقد كتب سيلاكس في القرن4 قبل الميلاد عنهم فعرفهم بأنهم السكان المجاورون لجزيرة سرنه (بوادي الذهب)، و وصفهم باسترسال شعر الرأس واللحية، وذكر أنهم من أجمل الناس، وأنهم طوال القامة، وأن قاماتهم تصل في أقل تقدير إلى أربعة أذرع. ويذكر اگزيل أن لاتينيين كتبوا في بداية العصر الميلادي من أمثال ميلا وبلين وبطليموس أشاروا إلى اتيوبيين (حبشيين) وصفوهم بالبياض في الصحراء، ولا يريدون بذلك أن بياضهم ناصع، بل يريدون أن ألوانهم خلاسية تتميز عن ألوان الزنوج الفحمية، فالزنوج سود والحبشيون محترقو البشرة أو حمر. وهم الذين عناهم الشيخ محمد المامي بإطلاقه في كتابه “جمان البادية” على هذه البلاد اسم البلاد النجاشية، ويعرفون في اللغة الصنهاجية باسم إثگرن (إيزگارن بالحسانية) التي تعني الحمر أو محترقي اللون، وهو نفس ما تعنيه كلمة الاتيوبيين (الحبشيين) عند اليونانيين”.
و في بداية القرن الخامس الهجري دخلت قبائل عربية البلاد، ثم في القرن السادس الهجري استقرت قبائل المعقل العربية بموريتانيا (بنو حسان على وجه الخصوص)، قادمة من صعيد مصر، ضمن الهجرة الهلالية الشهيرة إلى بلدان المغرب العربي، فواجهت معارضة شديدة من القبائل الأمازيغية، انتهت بخضوع الأخيرة للسلطان العربى ـ وقد ساهمت وحدة الدين في إزالة الفرقة بينهم حيث سبق الإسلام العرب إلى المنطقة في القرن الثاني للهجرة على يد مجموعات التجار التياهرتيين الذين كانوا يجوبونها و كانوا يعتنقون المذهب الأباضي كما حملته فصائل من قبائل هوارة التي نزحت إلى المنطقة في نفس الفترة، كما جاء في كتاب ابن حوقل (تـ378هـ/ 988م) ـ واختلطت المجموعتان مع الزمن وتشكل عرق منسجم من الأمازيغ والعرب فكونوا أهم مجموعة بشرية على مر تاريخ موريتانيا من الأمازيغ والعرب، هم سكان موريتانيا الحاليون كما ظل في موريتانيا بطبيعة الحال سكان أفارقة ينقسمون إلى ثلاث مجموعات هي السوننكي والفلان (الفلاتا) والوولوف، على امتداد الشريط الحدودي مع بلاد السودان (مالي و السنغال) لتتحول هذه الحدود في ما بعد إلى بوابة هجرة منظمة من الدول الإفريقية إلى موريتانيا خاصة بعد توقيع موريتانيا بضغط فرنسي، على اتفاق حرية تنقل المواطنين بين دول المنطقة في الستينات من القرن الماضي و بأقل شروط (بطاقة التعريف أو شهادة الميلاد)، في قارة لا يعلو فيها صوت فوق صوت الرشوة و التزوير و الفساد الإداري ثم المعاهدة المبرمة ـ سنة 1963 ـ بين موريتانيا ومالي، والمتعلقة بتنقل وإقامة رعايا كلا البلدين على أراضي البلد الآخر، و التي نصت في المادتين 14 و17 على أنه لا يجوز لأي من الحكومتين فرض إتاوات أو ضرائب على رعايا الدولة الأخرى غير تلك التي تفرضا على مواطنيها.. و يأتي اليوم ضمن سياسة ضغوط فرنسا على الأنظمة الموريتانية الضعيفة لتحويل البيضان إلى أقلية في موريتانيا، مشروع القانون الصادر عن مجلس الوزراء يوم الخميس (23 أكتوبر 2014) المتعلق بحرية تنقل الأشخاص و الممتلكات و الخدمات بين حكومة جمهورية كوت ديفوار و حكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية و الموقع في 16 مارس 2014 بنواكشوط. و لا أحد يستطيع أن يقول إنه يفهم ما يمكن أن تستفيده موريتانيا من هذا القرار المستجيب لسياسة الاحتواء المنظمة من قبل فرنسا لتسويد موريتانيا و التي على أساسها يتم اختيار و حماية الرؤساء الضعفاء المستعدين للرضوخ لضغوطات الإيليزي رغم معارضة المشروع القوية من قبل إسبانيا لأسباب وجيهة ترتبط بأمنها القومي المهدد بظاهرة الهجرة السرية من بوابة جزر الكاناري المطلة على القارة السوداء المتجهة إلى المليار نسمة بنسبة نمو ديموغرافي مجنونة..
لم تكن موريتانيا إذن في يوم من الأيام أرضا للزنوج و لم يذكر المستعمر عند قدومه أي نفوذ أو مقاومة له من طرفهم في هذه البلاد ، ما عدا حالات خجولة لشخصيات دينية قليلة ارتبطت بالبيضان ثقافيا أو قرابة مثل الحاج عمر تال (“عمر بن سعيد بن عثمان”) الذي يجهل أكثر المؤرخين نسبه العربي و ينسبونه إلى خاله “تال” كما هي العادة عند أخواله الزنوج، حين يفقد الطفل أباه في صغره لأي سبب. 
و في ديسمبر من عام 1899 أطلق القائد الفرنسي غزافيي كابولاني (تم اغتياله سنة 1905 في مدينة تجكجة، عاصمة ولاية تكانت،على يد مجموعة فدائية بقيادة المجاهد سيدي ولد مولاي الزين)، اسم موريتانيا على جزء من المجموعة الموريتانية لإعادة إحياء اسم موريتانيا الروماني و طمس هويتها العربية و الشنقيطية الإسلامية التي اكتسبتها من تحولات تاريخية كبيرة عرفتها البلاد في فترات لاحقة، فحل هذا الاسم تدريجيا محل أسماء أخرى عرفت بها البلاد مثل “بلاد شنقيط” عند العرب المشارقة، و “صحراء الملثمين” و”بلاد لمتونة” و”المغرب الأقصى” عند المؤلفين العرب القدامى، وبعض مؤلفي هذه البلاد أنفسهم. أما عامة سكان البلاد فكانوا يسمونها “أرض البيضان” في مقابل أرض السودان الواقعة بجنوبها (مالي و السنغال حاليا).
و جل الكتاب الفرنسيين تكلموا عن موريتانيا تحت اسم “أرض البيضان” :
فقد نشر القائد الفرنسي النقيب ” لويس فرير جان” الذي عاش فيها سبع سنوات (ما بين 1903 ـ 1911)، مذكراته تحت عنوان “ذكريات جولتي والحروب في بلاد البيضان” و يتحدث الحاكم الفرنسي السابق لموريتانيا “كريسيان ليغرت”1944- 1946 في كتابه “ميلاد أمة” عن تفاصيل حياة البدو العرب تحت اسم “البيضان” بإسهاب و دافع عن استقلالها بقوة “لقد ناضلت كثيرا في برلمان فرنسا ما وراء البحار سنة 1945 – 1946م لكي تحصل موريتانيا على استقلالها وقد لقيت معارضة كبيرة من زملائي حكام السودان ومنطقة نهر السنغال”
ـ و الدكتور فرانسيس دي شاسي، متخصص في علم الاجتماع عمل ما بين 1960 ـ 1971 م في موريتانيا وله دراسات في علوم التربية والاقتصاد والاجتماع ، يقسم نشأة الدولة الموريتانية إلى مراحل يكاد لا يظهر من خلالها ما يوحي بوجود زنجي فاعل في البلد :
أ– مراحل الوضعية الاستعمارية :
1 – 1600 – 1850م التبادل التجاري – الإمارات والعادات (أربع إمارات للعرب في البلد و لم تكن من بينها أي إمارة زنجية)
2 – 1850 – 1900م : حرية التجارة وحصول أول احتكاك غربي بالأراضي الموريتانية.
3 – 1900 – 1905م : المصالح الإستراتيجية ومبادرة الاختراق السلمي لدولة البيضان (الصحراء الفرنسية – الصحراء الإسبانية)
4 – الغزو العسكري النهائي وإنشاء الإدارة الاستعمارية 1905 – 1935م.
5 – الطبيعة العادية والسلمية للاستعمار الفرنسي لموريتانيا.
ب – الوضعية السياسية :
– التقسيم الإداري الاستعماري للبلاد الموريتانية 1903 – 1904م.
– تحديد السياسة الإدارية 1917م : فرنسا تحدد كل شيء وبالطريقة نفسها.
– التنظيم المحلي لإمارات البيضان 1936م.
– تحديد الوالي لموريتانيا وطريقة عمله 1936م.
ج – الوضعية الاقتصادية 1945م :
– وجود شركات معدنية صغيرة ميفرما ، ميكوما.
– تحصيل الضرائب على البيضان.
د – الوضعية الثقافية :
تثمين عادات البيضان وتطوير الوعي لديهم.
إرساء التعليم 1905م.
حماية الإسلام (إنشاء مصلحة خاصة بالشؤون الإسلامية)
في سبيل الاستقلال :
التطور السياسي :
– المجموعة الفرنسية 1946م “الصوت السياسي الأول لموريتانيا”.
– تطور الوعي السياسي(قانون الاطار1956)
– نشأة الأحزاب السياسية1946-1956
– الاستقلال الذاتي1958
ـ أول دستور موريتاني صدر1959 (كتب باللهجة الحسانية)
ـ الاستقلال التام 28 نوفمبر1960
ـ الكاتبة الفرنسية جنفييف دزيري زارت موريتانيا في طفولتها وحكى لها والدها عنها وهي حاصلة على دكتورا دولة في التاريخ والجغرافيا حول المجتمع الموريتاني وعملت في أرشيف إدارة فرنسا ما وراء البحار (المستعمرات) وقد حضرت حفلات الاستقلال الأولى لمعظم المستعمرات الفرنسية وخصصت معظم حياتها لكتابة التاريخ الموريتاني. كتبت عن موريتانيا، تقول في كتابها “تاريخ موريتانيا..من الأصول إلى الاستقلال”: “أول نص مكتوب من طرف البدو البيضان يعود إلى منتصف القرن 16عشر وهو يحكي عن حرب”شر ببه” بين الزوايا وبني حسان في منطقة الترارزة و البراكنه مع الإشارة إلى ان من يعرفون الكتابة عادة لا يوجدون إلا في القبائل “الزاوية” وهم لا يكتبون إلا حسب قناعاتهم الخاصة، كما ان الأنساب مهمة لديهم والمجتمع الموريتاني عادة مقسم إلى “حسان والزوايا ”.
وعرفت موريتانيا أول احتكاك بالخارج عن طريق الكتاب الفرنسيين الذين كانوا يكتبون عن مشاهدها والشخصيات البارزة والطريفة فيها وعن طريق المبادلات التجارية مع الأوروبيين أساسا في القرن 17 . ويحتفظ أرشيف الإدارة الاستعمارية العسكرية بالكثير من التقارير والوثائق حول هذه الفترة وتطور الوعي والسكان والمصادر الاقتصادية والعديد من الدراسات الجغرافية والاقتصادية والاثنية والتاريخية واللغوية ، ولا يوجد مؤرخون كثر إلا في الزوايا ومن أشهرهم المختار ولد حامدن الذي كتب عن شتى مناحي التاريخ الموريتاني خاصة المتعلق بالثقافة والسياسة والدين وبالاشتراك أحيانا مع صديقه المؤرخ آلبرت لريش” .
لا أحد من بين هؤلاء جميعا يتكلم عن أكثر من تواجد خجول للزنوج على الضفة الجنوبية و لم يربط أي منهم علاقات وثيقة بهم لثانوية دورهم و هامشية نفوذهم في موريتانيا الخاضعة بالكامل سياديا و سياسيا و عسكريا و ثقافيا لنفوذ البيضان.
ورغم طوفان كتابات الفرنسيين الأوائل عن أرض البيضان (العرب و البربر) في هذه البلاد و انبهارهم بثقافتهم العالية و شجاعتهم الأسطورية و تميزهم الملحوظ في كل سطر من هذه الكتابات المنسوبة إلى صفوة النخبة الفرنسية التي جالت في ربوعها و تمعنت في دراسة بنيتها السياسية والثقافية والاجتماعية، تحاول فرنسا اليوم إدارة الظهر ـ رغم ما تسببه لها هذه الوثائق من إحراج ـ لهذه الحقائق، في تواطئها مع الحركات الزنجية الانفصالية المدعية أن “موريتانيا أرض للزنوج يتم احتلالها من قبل البيضان”.
ولا شك أن مجلة العربي الكويتية كانت سباقة إلى اكتشاف هذه المؤامرة حين جاء في الملف الكبير الذي أعدته عن موريتانيا بتاريخ 8/8/1968 و الذي قال فيه مراسلهم من مدينة روسو (على الحدود مع السنغال) : ” يجب أن ننتبه حتى لا تكون لنا فلسطين أخرى في الغرب الإفريقي .. إن الحصول على الجنسية الموريتانية لا يتطلب إلا أوقيتين هما ثمن العبارة و تصبح موريتانيا” .
ويجدر التذكير هنا بأن موريتانيا هي الدولة العربية الوحيدة التي كانت تمنح الفلسطينيين جـوازات سفر و أكثر العمليات الفلسطينية المميزة التي جرت في السبعينات و الثمانينات من القرن الماضي، تمت بجوازات سفر موريتانية، في حين كانت مصر والأردن تمنحهم بانتقائية وثائق سفر في أفضل الأحوال.
و كانت الإذاعة الموريتانية الوحيدة عربيا (على حد علمي) التي تخصص ساعتين من وقتها يوميا للفلسطينيين (إذاعة صوت فتح)..
وأثناء رئاسة المرحوم المختار ولد داداه للاتحاد الإفريقي (71ـ72 ) قطعت أو جمدت 38 دولة إفريقية من أصل 44 علاقاتها مع الكيان الصهيوني لتقول غولدا مايير (وزيرة خارجية الكيان حينها) : “إن من بين جميع الدول العربية و الإسلامية الأكثر عداء لإسرائيل هي موريتانيا و سيأتي اليوم الذي نخلق لها فيه مشكلة بداخلها لن تعرف أبدا كيف تخرج منها…”
كل هذه الأسباب هي ما جعلت الحركة الصهيونية و مجرتها الغربية تقف ضد المجتمع العربي الموريتاني المسالم، مع ثلة من المرتزقة الإفريقية ، قل منها من ينتمي إلى موريتانيا ، لتحقيق وعد غولدامايير و حلم فرنسا و رغبة “فرانس آفريك”.
“القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” (FLAM).. النشأة و الأهداف :
هناك صراعان في موريتانيا يتجاهل كل منهما الآخر ؛ صراع بين الإسلام و المسيحية، تنفرد به عن بقية دول جنوبها الإفريقي، عمل المستعمر على تحييده عن الواجهة للالتفاف عليه تدريجيا من خلال أدوات غزو متطورة كان أخطرها التجاهل و صراع تحرر من الاستعمار بشقيه الكولونيالي و النيو كولونيالي، تشترك معها فيه جغرافيا و تختلف معها في زمنه .. لقد أصبح ارتباط الزنجي الموريتاني بلغة المستعمر ردة فعل على العربي و هذا لا يعود إلى عداء من أي طرف .
للآخر و إنما لأنه كان من الطبيعي أن تطغى الجغرافيا على التاريخ حين حكمت موريتانيا عقول لا تختلف عن القادة الإفريقية باختلاف تاريخ موريتانيا . و بسقوط الدور الإشعاعي للبلد و تنازل النخب عنه، سقطت مبررات الندية للمستعمر الذي كنا نحمل لواءه في المنطقة و مع الزمن سقطت حتى نديتنا للجوار و هذا ما تعمل عليه فرنسا باستمرار و ننساق له بكل غباء يوما بعد يوم.. و علينا الآن أن نتساءل كيف حكمنا ولد عبد العزيز ، لا أن نستغرب ما يحدث من حولنا؟
تأسست حركة “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا ( Forces de Libération Africaines de Mauritanie)، المتناولة في أدبياتهم و اجتماعاتهم المغلقة تحت اسم قوات التحرير المسلحة الموريتانية (Forces de Libération Armées de Mauritanie)، المعروفة اختصارا باسم (FLAM)، العنصرية ، الانفصالية، سنة 1966 على يد 19 شخصا أو ما عرف بـ”مجموعة التسعة عشر نيغرو إفريقي”.
تزعم الحركة أن موريتانيا أرض أحتلها العرب وأخذوها من الأفارقة السود السكان الأصليين للبلاد.. تعيش هذه الحركة في المنفى (السنغال و فرنسا و الولايات المتحدة، أساسا).. كانت المحرك الأساسي لأحداث 1966 بعد إضافة ساعتين من العربية إلى المناهج التعليمية التي كانت حينها مفرنسة بالكامل كما تركها المستعمر، كما كان لها دور بارز في الأحداث الدموية التي جرت بين موريتانيا والسنغال سنة 1989 و التي راح ضحيتها الكثير من الجانبين. و تحمل الحركة شعار “إفريقيا للأفارقة لا للعرب” جاهلة حتى، أن تسمية القارة تعود إلى افريقش بن تبع اليماني و أن إفريقيا ظلت تطلق حتى وقت قريب على تونس وحدها دون بقية القارة.
كانت أحداث 1989 أضخم عمل تقوم به الحركة على امتداد تاريخها بإدارة سفارتي إسرائيل في بلجيكا و زايير و قد تم إعدادها بإحكام بمشاركة فرنسية وسنغالية ومغربية بارزة، حال تدخل العراق بكل ثقل صدام حسين و جسارته، دون بلوغ أهدافها؛ فقد انتهت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1988 وخرجها العراق منتصرا بترسانة عسكرية ضخمة كان أكثرها
أجيال أصبحت متجاوزة في المنطقة تم توجيه أكثرها إلى موريتانيا لتحول موازين القوة لصالحها، و هي نقلة لم تكن متوقعة، أربكت الأطراف المشاركة في الحملة المنظمة على موريتانيا من طرف إسرائيل و الجهات الدائرة في فلكها و التي كانت ” القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” رأس حربتها في عملية التنفيذ على الأرض، فحولت جهودها ـ بعد الصدامات الدامية التي راح ضحيتها الكثير من المواطنين ـ إلى حملة إعلامية منظمة ضد موريتانيا ، استطاعت بالفعل المساس من سمعتها على المستوى الدولي بسبب تحكم إسرائيل في الإعلام العالمي و قدرتها الفائقة على تحريكه لصالح من تشاء وتواطؤ المعارضة الموريتانية كما يحدث الآن بالضبط مع “إيرا” و “افلام” و “لا تلمس جنسيتي”. و تحت ضغط الحملة الإعلامية المعادية المكثفة في غياب سياسة عربية مساندة لموريتانيا في مواجهة التحديات التي تعترضها بشدة، أرغِمت (موريتانيا) لاحقا على ربط علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ـ في محاولة من النظام للحد من علاقتها مع حركة أفلام الزنجية العنصرية التي كانت تعول على إسرائيل في تحقيق حلمها أي “إقامة دولة زنجية في جنوب موريتانيا”، بعد أن أتضح لها وجود أيادي خفية في المنطقة، تسعى الى زيادة حدة التوتر بين الجماعات العربية والأفريقية في المنطقة ـ فتم التوصل إلى اتفاق رسمي لفتح مكاتب لرعاية المصالح في كلا العاصمتين (تل أبيب ونواكشوط) في27/11 /1995 فكانت موريتانيا بذلك ثالث دولة عربية عضو في الجامعة العربية بعد المغرب وتونس على مستوى المغرب العربي، تقيم علاقات مع إسرائيل على نطاق واسع.
وترجع بدايات التمهيد لتطبيع العلاقات بين إسرائيل و موريتانيا إلى أول اتصال وزاري رسمي بين وزير الخارجية الموريتاني السابق محمد سالم ولد لكحل ووزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريس في 18/6/ 1995في مدريد برعاية وزير الخارجية الأسباني السابق خافيير سولانا (عراب العلاقة) كما جرى لقاء آخر بين الوزير الموريتاني محمد سالم ولد لكحل مع نائب وزير الخارجية الإسرائيلي السابق موسى بيلين في عمان .
وقد حضر هذا اللقاء وزير الخارجية الأردني السابق عبد الكريم الكباريتي بطلب من الوزير الموريتاني وكان من نتائجه التوصل إلى اتفاق رسمي لفتح مكاتب لرعاية المصالح في كلا العاصمتين (تل أبيب ونواكشوط)
وبدأ التطبيع الدبلوماسي الموريتاني-الإسرائيلي في 28/10/1999في نيويورك عندما أعلن البلدان عن إقامة علاقات دبلوماسية ترقى إلى مستوى السفراء في كلا البلدين، وأسهمت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في توقيع الاتفاق و صرحت عقب التوقيع قائلة بان “هذا الاتفاق سيعود بثمرات طيبة على الشعب الموريتاني”. و كان سفير أمريكا إبان أحداث 89 هو من دافع عن موريتانيا في هذا الملف ، لتفهم هذه الحركات أن الشعارات الغربية منافقة و متمصلحة و التعويل عليها مغامرة و التعاطي معها يحتاج عقول أكبر منهم و أقدر منهم على التحليل لا على التبعية.
بعد تواجد سفارتها في نواكشوط، ربطت إسرائيل علاقات عن قرب مع الحركات الزنجية الانفصالية ؛ “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” التي تطالب بإقامة دولة في الجنوب و “حركة المبادرة من أجل الانعتاق” (إيرا) الطفيلية و المستعدة للعب أي دور تطلبه إسرائيل منها، مهما كان نوعه و غيرهما من أفراد و جماعات (تقصى الإعلام الموريتاني خطواتها حينها بدقة وكتب عن جل أنشطتها في البلد)، فكانت هذه العلاقة موضع صراع قوي على الساحة الموريتانية، بعد رفضها من الشعب و المعارضة و النخب و رجال الدين فكثفت جهودها استعدادا للأسوأ بعدما أصبح رحيل سفارتها من نواكشوط على رأس كل قائمة مطالب في البلد. لهذه الأسباب، جاء قرار تجميد العلاقات الموريتانية الإسرائيلية الذي اتخذته موريتانيا في قمة الدوحة الطارئة (قمة غزة) يوم 16/1/2009 ليمثل في ظاهره استجابة لمطالب الشعب الموريتاني وتضامنه مع الشعب الفلسطيني على خلفية الهجوم الإسرائيلي على غزة، في حين كان هذا التجميد يحمل أبعادا أخرى من أهمها إبعاد إسرائيل عن صراعات الساحة السياسية الداخلية بعدما أصبح التوفيق بين ما تريده و مطالب الشعب أمرا مستحيلا نتيجة الظرف غير العادي الذي يعيشه البلد بعد تمرد عصابة من الجيش على الشرعية الدستورية و الإطاحة بأول نظام ديمقراطي فيه.
كان “إعلان الزنجي المطهد” المعد من قبل حركة “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا”، قد أسس بالفعل لما سيعرف لاحقا بأحداث 1989 التي أدخلت النظام الموريتاني ورطة لم يستطع حتى الحين الخروج منها بسبب ضعف إعلامه و جهله للميكانيسمات الدولية المتحكمة في العالم و قوة الإعلام المضادة، و ضعف جهاز الدولة الناتج عن تغييب العقول وتهميش النخب و تحكم الأراذل، رغم أن بداية المشكلة كانت بين مزارعين سنغاليين و أصحاب مواشي سنغاليين أيضا ، كانوا يعيشون على الأراضي الموريتانية (الجانب الآخر من الصفة) و رغم أن خطاب عبدو ضيوف في مطار داكار هو أكثر ما أجج الأحداث الدامية على الجبهتين الموريتانية و السنغالية و رغم أن الإجراءات الأمنية التي اتخذتها السلطات السنغالية لحماية الموريتانيين المتواجدين على أرضها كانت دون الإجراءات التي اتخذتها موريتانيا بكثير.
كانت وثيقة “إعلان الزنجي المطهد” التي أعدت بإحكام، قد مهدت لهذه المواجهات الدامية التي لم يكن لها ما يبررها على أرض الواقع، فيما قامت بعض دول الجوار (السنغال و المغرب) بمهمة صب الزيت على نار الأزمة، خدمة للمشروع الفرنسي المختبئ خلف كواليس الواجهة المخادعة لوجهها الحقيقي.
و قد ظهر “إعلان الزنجي الموريتاني المضطهد” لأول مرة حين تم توزيعه كمنشور سري في مدن متفرقة من موريتانيا في نيسان 1986 قبل أن يتم توزيعه على هامش قمة منظمة الدول الإفريقية المنعقدة ما بين 28 و30 من يوليو في أديس أبابا ثم على المشاركين في قمة منظمة دول عدم الانحياز في هراري بزمبابوي في أكتوبر من ذات العام في خطوات سببت إحراجا بالغا للحكومة الموريتانية.
وقد تعرضت هذه الوثيقة (الإعلان) التي أعدها رئيس تنظيم “قوى تحرير الزنوج الموريتانيين” آنذاك “إبراهيما عبدو صال، إلى ما تعتبره الحركة مظالم وانتهاكات تمارس على الزنوج في موريتانيا من قبل ما تعتبره الوثيقة نظام “البيضان” الذي وصفته بـ”العنصرية”، معددة مجالات تفرض فيها الدولة سيطرة منهجية للعرب على السياسة
والاقتصاد والجيش والتعليم، فضلا عن ما يعتبره معدوها حرمانا سياسيا واقتصاديا وثقافيا ممنهجا يمارس ضد الزنوج.
وتنقل الوثيقة أقوالا لوزير الخارجية الموريتاني الأسبق الراحل حمدي ولد مكناس والرئيس الموريتاني خلال تلك الفترة معاوية ولد سيد احمد ولد الطايع؛ حيث يرى الأول أن “لاشيء يجمع موريتانيا ثقافيا أو تاريخيا مع منطقة غرب إفريقيا” فيما يرى ولد الطايع – وفق الوثيقة- أن على موريتانيا “العودة إلى التراث البدوي للأجداد”.
ويتهم معدو الوثيقة ـ حتى ـ الاستعمار الفرنسي بالانحياز للعرب رغم أنه لم يجد في البلاد مقاومة من غيرهم و جاء في الوثيقة : “لقد اختار المستعمرون الفرنسيون قومية البيضان بوصفها الإثنية “المرشدة” لهم في هذا البلد. وتشهد على ذلك، من بين أمور عديدة، أقوال الحاكم كازال الذي كان يحذر عبد الله ولد الشيخ سيديا، إبان انتخابات 1947، من الحملة التي يباشرها المنحدرون من الجنوب وسط أهلهم بمنطقة النهر. حيث يقول “… إن السود ينظمون أنفسهم وبنشاط في منطقة النهر. وما لم تعبئوا رجالكم ونساءكم لهذه الانتخابات، فإنهم سينتصرون وسيحكمون هذا البلد الذي هو بلدكم!!!”. و الاستدلال بهذا الكلام على أنه لصالحهم لا يختلف في شيء عن قصة شعارهم “إفريقيا للأفارقة”
ومن ثم ـ تقول الوثيقة ـ يأتي الاستنتاج بأن: “موريتانيا، في نظرة فرنسا، هي إذن ملك لـلبيضان، وهم وحدهم من يجب أن يحكمها. وهذه الرؤية لم تتغير حتى أيامنا هذه. (…) ولذلك سيساعد الفرنسيون أوائل عناصر الطبقة السياسية الوليدة من البيضان على الانخراط في مسار السيطرة إبان مؤتمر ألاك في يونيو 1958.
فبالنسبة لولد داداه ورفاقه كان من اللازم ضمان استئثار قوميتهم من أجل ضمان الأمن المزعوم في بيئة جيوسياسية وثقافية (إفريقيا الغربية) لا تنتمي إليها”.
وفي رأي معدي الوثيقة فإن “الطبقة السياسية البيضانية” استنتجت في وقت مبكر جدا أن: “السيطرة السياسية وحدها لا تكفي لضمان سيطرة تامة لقوميتها على البلد. وبمساعدة الجهاز السياسي الموروث عن المستعمر الفرنسي، باشرت برنامجا للسيطرة على الاقتصاد والتجارة والإدارة والتربية والتكوين”.
“برنامج السيطرة” هذا يسميه إعلان الزنجي الموريتاني المضطهد بــ”البـَيْـضَـنــَة” وهو، وفق الوثيقة: “سعي نظام البيضان إلى أن يذيب وبشكل منهجي كل الخصوصيات في مجتمع كبير بيضاني-عربي “مؤدلج” تفرض عليه أسطورة الأكثرية العربية المزعومة”.
وتشكك الوثيقة في الأرقام المتداولة عن حجم المجموعات القومية المشكلة للمجتمع الموريتاني مشيرة إلى أن النظام “ظل، منذ 1960، يعتمد دوما على أن نسب التمثيل بين البيضان والسود من السكان الموريتانيين مستقرة كما هي: 80% للبيضان و20% للباقين”.
( و من الطبيعي أن تكون النسب مستقرة إذا لم يكن التكاثر من طرف واحد .. و في هذا الكلام إشارة واضحة إلى تجاهل البيضان للقنبلة الديموغرافية المنظمة من قبل الزنوج) و هو ما عنوه هنا عن غير قصد…
وتضيف الوثيقة: “وفي الواقع فإن المجموعة العربية-البربرية لا تجد شرعيتها إلا في عنف السلطة الذي يجري التعبير عنه بكل الأشكال. فليس بمقدورها الرجوع إلى التاريخ، لأن السود هم السكان الأصليون لهذا البلد، ولا إلى العدد، لأنها أقلية. غير أنه بالنسبة للسود، لا يكفي أن يكونوا أغلبية ولا تكفي أسبقيتهم في عمارة الأرض للسيطرة على بلد ما. وجنوب إفريقيا مثال واضح على ذلك” ( و ترد مقدمة المقال على هذا الكلام بالضبط الذي لا يستند إلى أي وثيقة تاريخية مهما كان ضعفها لكن أصعب ما في الوجود هو أن تقنع جاهلا بالمنطق العلمي أو بالمراجع التاريخية)وعند حديثها عن الجيش الموريتاني ترى الوثيقة فيه “قوة سياسية”، لا لكونه موحدا حول مشروع “بل لأنه يمسك السلطة عبر القوة المسلحة” وفق الوثيقة التي ترى فيه كيانا مطبوعا بـ”صراع لوبيات قبائل البيضان”.
وتقول الوثيقة عن الضباط الزنوج: “مع تخليهم عن أي طموح سياسي رضوا بأن يكونوا أدوات في أيدي بقية لوبيات البيضان، مقابل هدايا توزع على شكل مناصب وزارية أو إدارات شركات حكومية. لقد أنستهم المهنية انتماءهم إلى قومية عرقية تتعرض للقمع من قبل أسيادهم. وفي أحيان كثيرة لا يهتمون حتى بالدفاع عن كرامتهم التي كثيرا ما ديست. ومع ذلك، لا يتردد أسيادهم، تماشيا مع منطقهم، في الدفاع عن مصالح قوميتهم بشكل عام ومصالح قبائلهم على نحو خاص”.
وتضيف الوثيقة: “وكما هو سائد في المجالات الأخرى، فإن البيضنة تنخر الجيش. وتمكن مقارنتها بما هو مطبق في التعليم والاقتصاد”.
وللتدليل على ذلك تورد الوثيقة تفاصيل عن إجراءات الاكتتاب وبعثات التدريب مع نسب مشاركة الزنوج لتصل إلى أنه من بين خمسة عشر قيادة عسكرية في البلاد توجد فقط أربع منها تحت إمرة ضباط زنوج. ولتؤكد، مع ذلك، على أن: “دور الجيش سيكون حاسما في نتيجة كفاح تحرير الزنوج من سيطرة نظام البيضان”.
وتخصص الوثيقة حيزا واسعا للنظام التعليمي في موريتانيا الذي ترى في قرار تعريبه “آلية جبارة للاختيار أولا ثم لغرض الإقصاء الجماعي للزنوج الموريتانيين”.
ويعتبر معدو الوثيقة أن تعريب التعليم “سيفيد كغطاء للعنصرية” التي ستظهر من خلال التمييز في الاكتتاب لتنتهك بذلك حقوق الزنوج في العمل “الذي لم يعد مسألة كفاءة بل مسألة لون”.
وفي خاتمة الوثيقة يقدم معدوها خلاصات عامة تضم رؤيتهم للأزمة الموريتانية:
“من حيث الأساس، ما من مشكلة ثقافية بل هناك نفي لوجود الزنوج في موريتانيا كمكون عرقي ذي خصوصية. وعلى كل حال، لا يمكن التنكر لوجود الزنوج ثم فرض ثقافة أخرى عليهم في ذات الوقت. هذا هو كل المشكلة. فالأمر يتعلق بقضية وجود أو عدم”.
وتقدم الوثيقة رؤية للحل: “نعتقد أن حل مشكلة الزنوج [ومشكلة] مستقبل موريتانيا كلها يكمن من حيث الأساس في تدمير نظام البيضان وإرساء نظام سياسي عادل تسوده المساواة وتنتمي إليه كل المكونات الحالية للبلد”.
وتتهم الوثيقة “البيضان” بارتكاب كل الجرائم في حق أصحابها ثم تتهم المستعمر الذي عمل على تأسيسها و إيوائها و توجيهها ، ثم تتهم كل الضباط و الوزراء و الأطر الزنوج الموريتانيين الأصليين بالخيانة لدفاعهم عن دولتهم و كل من لا يدعم موقف هذه الحركة العنصرية الانفصالية المجوقلة، عنصري و خائن و مجرم ومتواطئ مع الشيطان…
خرجت موريتانيا من أزمة 1989 (من دون أن تخرجها) منهكة سياسيا و سخرت نخبها السياسية المعارِضة نفسها لمشروع الضغط على النظام في صراعها معه على السلطة، ليصبح الجميع يتسابق إلى خطب ود إسرائيل و الحركات الزنجية الدائرة في فلكها، “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” أساسا، و بدأت هذه الحركات في فتح ملفات حقوقية يرى النظام الموريتاني أنها هي من يجب أن توجه إليها التهم في شأنها كقوى تحريض، تعمل في إطار أجندة خارجية معادية للبلد. و قد جاءت المحاولات الانقلابية التي اقتصرت حصريا على ضباط و جنود من الزنوج خلال الأعوام 87 – 90 – 91 و التصفيات التي واجههم النظام بها معتبرا إياها تمردا عنصريا شريرا يجب التصدي له بالمرصاد، لتعطي الملف أبعادا تلبس فيها كل حقيقة نصفها من الباطل من الطرفين و تحولت القضية إلى سوق سمسرة، ليصبح الدفاع عن “حقوق الزنوج” بالحق و الباطل رمزا للاتزان السياسي و الوعي المتحضر، بقاموس ثقافة تعايش مصطنعة لم تساهم إلا في زيادة الشرخ بين المكونات الاجتماعية للبلد التي تعايشت في الماضي بسلام قبل أن تصبح سمسرة تناقضاتها أهم سلعة تعيش عليها النخب الانتهازية بين فنادق الخمس نجوم و قاعات الاجتماعات الباردة في الدوائر الغربية السرية.
تم إعداد لوائح بجل ضباط الجيش و الأمن الموريتاني من “البيضان” و رفعت ضدها قضايا حقوقية بتفاصيل تتجاهل مهام الجيوش و الأمن و أصبح النظام الموريتاني نظاما عنصريا بنصف حقيقة تأبى أي تشخيص لا يصب في عنصرية دولة “البيضان” المغتصبة للأراضي الزنجية؟
وقد حدد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 34/40 المؤرخ في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1985 في بنده 18 ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بأنهم الأشخاص الذين أصيبوا بضرر فردي أو جماعي، بما في ذلك الضرر البدني أو العقلي أو المعاناة النفسية أو الخسارة الاقتصادية، أو الحرمان بدرجة كبيرة من التمتع بحقوقهم الأساسية عن طريق أفعال أو حالات إهمال لا تشكل حتى الآن انتهاكا للقوانين الجنائية الوطنية، ولكنها
تشكل انتهاكات للمعايير الدولية المعترف بها والمتعلقة باحترام حقوق الإنسان.
هذا القرار يفسر بوضوح أن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في أي بلد لا يجوز حصرها في فئة دون أخرى أو في نوع من الانتهاكات دون آخر و هو ما نتجاوزه في الحالة الموريتانية بشكل واضح و فاضح كما تبين ذلك الحقائق التالية :
من هم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في موريتانيا خلال العهود الماضية ؟ هل كانوا فقط من الزنوج دون غيرهم؟ وإذا كانت الإجابة طبعا بالنفي ، فلماذا يقتصر الحديث، على حالة الزنوج دون غيرهم ؟ ، بينما الحقيقة هي أن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في موريتانيا كانوا من جميع شرائح وفئات وأطياف المجتمع و بإحصائيات دقيقة نجد أن الضحايا من “البيضان” يتجاوزون بكثير عدد الضحايا الزنوج و على امتداد فترة زمنية أطول بكثير!؟
ـ ما لا يعرفه الكثيرون هو أن تاريخ الاغتيالات السياسية في موريتانيا طويل ومرير و قد ظل دائما من صنع فرنسا و أذرعها الطويلة في البلد ؛ بدء بمحاولة اغتيال الزعيم أحمدو ولد حرمة ولد بابانا بحقنة سامة في مستشفى سينلوي بالسنغال بعد إصراره على مقاضاة فرنسا إثر تزويرها نتيجة انتخابات 1956، ثم محاولة اغتياله ثانية في باريس، قبيل جلسة النطق بالحكم حيث أطلعته المخابرات المصرية على مخطط اغتياله ، ليقوم ميشيل فرعون (عميل للمخابرات المصرية في السفارة اللبنانية في باريس) بتهريبه إلى سويسرا في القطار .. ثم اغتيال ولد اوداعه (أحد أهم ممولي حملة أحمدو ولد حرمة الانتخابية) في حادث سير على معبر روصو ثم اغتيال الدي ولد الزين، أهم مستشاريه ومعاونيه في حادث سير في باريس (و هما أولى حالتي وفاة بحادث سير في تاريخ البلد برمته؟) ..
وفي عهد ولد داداه (1960 ـ 1978) تم اغتيال الزعيم بوياغي ولد عابدين (وزير النقل في أول حكومة في البلد بعد الانجلاء الرمزي للمستعمر) أحد أهم مؤسسي “حزب النهضة ” (1958) ذي التوجهات العروبية و الإسلامية، بحقنة سامة، ثم اغتيال الأمير محمد فال ولد عمير (مايو 1965) بجرعة سم ، ثم المناضل التقدمي سيدي محمد ولد سميدع (7 يناير
1972) الذي تحول إلى رمز خالد لدى حركة الكادحين.. و مذبحة عمال ازويرات في 29 مايو 1968 …وبعد انقلاب العاشر يوليو 1978 الذي أطاح بأول حكم مدني تمت في يوم 01/12/1979 تصفية الرائد جدو ولد السالك بعيد إقالته من منصب وزير الداخلية (العقل المدبر للانقلاب)، ثم تمت تصفية المقدم ولد بوسيف في يوم 27 مايو 1979 م، ثم تصفية أبو ولد المعلوم و نخبة من خيرة ضباط الجيش في إطار تأسيس “نادي ضباط الشمال” الذي تحدث عنه كادير في مذراته. و في سنة 1992 تم اغتيال ولد محمد الأمين (والي داخلة نواذيبو حينها) الشقيق الأكبر لرئيس حزب الاتحاد من أجل نهب الجمهورية السابق (حزب السلطة) بعد رفضه تسجيل 4000 بطاقة تعريف لغرض تزوير الانتخابات و قد راح معه قائد الطائرة الصغيرة بطبيعة الحال..
و في 08 يونيو سنة 2003 تم اغتيال (القائد الأعلى للقوات المسلحة) العقيد محمد الأمين ولد انجيان في ظروف غامضة، أثناء محاولة انقلاب فرسان التغيير و قد رفض النظام فتح تحقيق حول عملية اغتياله و تجنب قضاة نظام ولد الطائع الغوص في تفاصيل العملية إبان محاكمة الانقلابيين في “وادي الناقة” .. و في الحالات المشابهة لانقلاب ضباط الزنوج، تم إعدام قادة انقلاب 16 مارس 1981 رغم اختلاف انقلابهم عن انقلاب الزنوج الذي حمل طابعه العنصري الفئوي من تشكيلته المرعبة..
ـ التسريحات الواسعة في صفوف الجيش التي طالت عددا كبيرا من العناصر القومية العربية ( البعثية و الناصرية) .
ـ التصفية الواسعة التي تعرض لها أقارب الرائد صالح ولد حننا بعد محاولته الانقلابية الفاشلة سنة 2003 .
كما تعرض المدنيون خلال الحقب العسكرية لانتهاكات مماثلة مطلع ثمانينيات القرن الماضي حين كانت السجون ملآى بناشطي التيارات السياسية القومية – البعثيين أولا ثم الناصريين فيما بعد – في عهد العقيد هيداله كما تورط نظام ولد الطائع لاحقا في سلسلة طويلة من الانتهاكات الواسعة التي طالت معظم شرائح وفئات المجتمع الموريتاني.
لا أحد إذن ينكر السجل الكبير لانتهاكات حقوق الإنسان من قبل جل الأنظمة التي تعاقبت على موريتانيا إلا أن وصف هذه الانتهاكات بالعنصرية عمل “عنصري بامتياز” لا يقل إجرامية في حق هذا الشعب، عن تجاوزات الأنظمة الدكتاتورية المجرمة في حق الجميع.
و قد أصبح ملف الإرث الإنساني اليوم من أهم عوائق الديمقراطية في البلد حيث يرفض الجيش و الأمن التخلي عن الحكم خشية فتح ملفات الماضي التي أصبحت الاستجابة لمطالب أصحابها من أهم شعارات الحملات الانتخابية. وهو أمر جعل الكثيرين يتمنون و يؤيدون تمسك الجيش بالسلطة حتى يفهم السياسيون أن مصير موريتانيا أهم منهم و من مشاريعهم الانتهازية..
وتنتهج حركة “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” طرقا ماكرة لاستنزاف الأنظمة الموريتانية حيث برمت عدة اتفاقيات تسوية مع ولد الطائع و سيدي ولد الشيخ عبد الله من بعده و مع النظام الحالي تم فيها دفع الديات عدة مرات وإعادة المهجرين بأعداد مضاعفة من أقاربهم في السنغال و توزيع الأراضي و تقديم شتى المساعدات من دون أي جدوى حيث كان جناح من الحركة يبرم الاتفاق و جناح يرفضه فيحصلون على امتيازات مادية و يسجلونها كنقاط إثبات و دليل اعتراف لدى المنظمات الحقوقية و يبقى الملف على ما كان عليه!؟
هذا الأداء السيئ و هذه الإدارة الأسوأ للملف من قبل السلطات الموريتانية يعود دائما إلى تقديم تعهدات غير مدروسة خلال الحملات الانتخابية تتم تلبيتها كيفما اتفق بعد التربع على الكرسي ، انطلاقا من رؤية أحادية تصب في مصلحة فردية آنية من دون أن يحظى الملف يوما بحل شامل انطلاقا من إرادة وطنية و رؤية شاملة بعيدا عن التجاذبات السياسية التي دمرت البلد و حولت أبسط مشاكله إلى أزمات دائمة بلا حلول.
و بعد انطلاق الثورات في العالم العربي (الربيع العربي) و التحولات الكبيرة التي
تعيشها كل بلدان العالم نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، استيقظ بقوة حلم إنشاء دولة في الجنوب لدى حركة ” القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” لتجد نفسها أمام خيارات صعبة صنعها منطق الزمن : فدخولها في التيار العام المناهض للنظام يحولها إلى حركة وطنية معارضة و هذا يفقدها شرعية المطالبة بالانفصال و خروجها من هذا التوجه يجعلها في تصادم مع القوى المعارضة التي كانت تدعم نضالها “الوطني” و تغض البصر عن مطالبها الانفصالية غير المعلنة رسميا من قبلها، إيغالا في معاداة النظام لا حبا لحركة “أفلام” و “إيرا” .
هنا ظهرت حركة “لا تلمس جنسيتي” كجناح “وطني” من التيار و توارت حركة “القوات الإفريقية لتحرير موريتانيا” عن الأنظار تفاديا للوقوع في تناقضات لا مهرب منها، فيما ظلت قياداتها تنسق ـ تحت الطاولة ـ مع الزعامات السياسية المعارضة المستعدة للتحالف مع أي شيطان ضد النظام مثل قادة الحركة الإسلامية المتجهة إلى عتبة “زمن آخر” بلا قيد و لا شرط.
وهنا تولت إسرائيل مهمة التنسيق بين المشاريع التي زرعت بذورها في البلد أثناء تواجد سفارتها في العاصمة، فظهرت منظمة انبعاث الحركة الانعتاقية “إيرا” ( التي يرد رئيسها بيرام ولد اعبيدي هنا على سؤال لموقع “ألأخباري” بتاريخ 27 / 11 / 2010 بالقول : ” نحن لا نتقاسم نفس القيم مع من تحرجهم العلاقات مع إسرائيل ويتبجحون بالعلاقات والانتماء لأنظمة أخرى كالنظام الموريتاني والسوداني وغيرهما من الدول المؤسسة على العنصرية والتمييز وسفك الدماء والإبادة…” و كان بيرام هنا يرد على سؤال للموقع جاء فيه : “يصف البعض منظمتكم بالعلاقة مع إسرائيل، ويستدلون على ذلك بكون أمينها العام كان مسئول الاتصال في سفارة إسرائيل،ألا يحرجكم ذلك؟” ) .. و “منظمة النساء معيلات الأسر” الطفيلية و منظمة نجدة العبيد و بعض الشخصيات الإعلامية و السياسية، إلى الوجود فيما ظل بعضها يعمل (لا سيما الشخصيات الثقافية والدينية) خلف الكواليس لتسميم الأجواء بالعزف على الحساسيات الوطنية من خلال التصريحات و المقالات الاستفزازية في وقت معقد يبرر فيه الجميع أخطاءهم بدكتاتورية النظام و صعوبة الظروف الاقتصادية للبلد من دون أن يفرق أي منهم بين حقه في معارضة النظام و عدم حقه في معارضة الوطن الذي تحول في غياب الدولة إلى سلعة للبيع تتجاذبها نخبه مزورة دونما وازع من ضمير و لا مسؤولية.
لم يسلم إذن، أي نظام من الأنظمة التي تعاقبت على حكم الدولة الموريتانية منذ نشأتها حتى اليوم من جريرة انتهاك حقوق الإنسان لكننا بالعودة إلى تاريخ المنطقة، نجد أن ما حدث في موريتانيا كان في حالات كثيرة من أرحم ما عرفته القارة و هو ما لا يظهر له أي أثر اليوم لا في الإعلام و لا عند المنظمات الحقوقية المتكالبة على موريتانيا بحقد لا تخفى جذوره:
إن العنصرية الحقيقية المقيتة المتطايرة الشرر في كل الاتجاهات،القائمة اليوم في موريتانيا هو ما تحمل خطابات إيرا و افلام و ليس من بينهما من تمثل من تدعي الدفاع عن حقوقهم بأي شرعية بل هما تشكيلتان صغيرتان من المرتزقة العاملة تحت إمرة أجهزة المخابرات الإسرائيلية بأجر . و هذه ليست اتهامات طرف و إنما هي حقائق بينة لا يمكن أن ينفيها أي مكابر و لا أن يخفيها أي جبل. و تعاطف جل السياسيين المعارضين مع هاتين الحركتين العنصريتين للضغط على النظام، خطأ فادح . لقد حولت سياسة تسجيل المواقف المقايضة، المعارضة الموريتانية إلى حاضنة للتطرف العنصري و العداء للوطن ولا فرق بين هذا و ما تفعله الأنظمة من تقاعس و إهمال في حل المشاكل العالقة ومواجهتها و احتوائها.
بيرام لا يهدد بإسقاط نظام ولد عبد العزيز و إيرا لم تكن تهدد بإسقاط ولد الطائع ، إن المشترك الثابت في خطابيهما هو إسقاط دولة البيضان . و وقوفكم مع من كانت دعوته إسقاط نظام البيضان أو لحراطين أو لكور أو الثلاثة معا ـ لأن النظام لا تقال لرأسه و لم تعرف موريتانيا دولة من أي مكون عرقي ـ لا يوازيه في تقاعسكم عن واجباتكم الوطنية إلا عدم وجود أي لافتة لديكم تطالب و لو بالتحقيق في ما ارتكبته السنغال في حق مواطنينا الذين تم حرقهم جهارا نهارا في الأفران و مصادرة ممتلكاتهم و إذلالهم و اغتصاب نسائهم. و لا يمكن أن توجد إدانة لحركة افلام و لا دليل على عنصريتها أكبر من “دفاعها” عن من ماتوا في موريتانيا و سكوتها عن من ماتوا في السنغال.. و لا يمكن أن يتجسد عار أكبر من تحالف “إيرا” مع افلام و 90 في المائة ممن ذبحوا على الأرصفة السنغالية كانوا من الحراطين..
ما أنتم إلا تجار أدوار ، توقعون العقود بلا شروط مع من يدفع لتعيشوا على مآسي شعب بلا نخب و لا نظام و لا إعلام و لا أمن : ارفعوا لافتة في السنغال مطالبين بدم أب أو أخ لتفهموا كم نحن متسامحون حد الإهمال .. تظاهروا في باريس مطالبين برواتب تقاعد آبائكم الذين دافعوا عن فرنسا حتى الموت لتفهموا أننا نتجاوزهم بآلاف السنين الضوئية في كل المجالات الإنسانية .. أنتم مخطئون إذا كنتم تعتقدون أن من يحرضونكم على البيضان يعتقدون أنهم يستطيعون من خلال ذلك استرجاع حقوق لم تكن، إنهم يبحثون
عن جريمة تدين البيضان (في صراع عمره آلاف السنين) و إذا حدثت تلك الجريمة لا قدر الله، يعرفون أنكم أنتم من سيكونون ضحاياها ، فلماذا تقبلوا أن يتم التلاعب بكم إلى هذا الحد ؟ أليس فيكم عاقل ناصح؟ أإلى هذا الحد يمكن أن يصل جشعكم و ازدراؤكم بمصالح إخوانكم في هذا الوطن الطيب المتسامح؟
وإذا كنا نقول اليوم بصدق ما أجمل موريتانيا ببيضها و سودها، بعربها و عجمها، فإننا نقول في نفس الوقت ما أتعسها بأمثال “إيرا” و “أفلام” و منظمة “معيلات الأسر” ونظام عزيز و معارضة تسجيل المواقف و صحافة أفيل ولد اللهاه و بيشمارغة “الهابا” و أحزاب الشنطة و منظمات الشنطة و تجار الشنطة و شنطة كومبا با…
لقد حولتم كل شيء في بلدنا إلى تجارة رخيصة حتى أصبحت موريتانيا أرض كل من لا أرض له و مكان رأي كل من لا رأي له، لكن جيل “قل موريتانيا و قف إكراما لها” بدأ يتحرك في الوجدان العام ، فشكرا لكم بإصراركم على ظهوره

شاهد أيضاً

بيان مشترك من نواب المعارضة

مثل القرار الفجائي والاستعجالي  لمكتب الجمعية الوطنية القاضي برفع الحصانة  عن النائب بيرام الداه أعبيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *